رأي

بين سلام زائف وحرب موجّهة: هل الحرب أفضل من السلام؟

د.ابراهيم مخير

 

د. إبراهيم مخير

منذ توقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005، دخل السودان في مرحلة انتقالية عبر اتفاقيات جعلتها رهينة للتوازنات الإقليمية. وبات واضحاً أن هذه الحرب لا بد أن تتجه إلى أحد خيارين أحلاهما مر: إما صدام مباشر بالخلاف مع مصر وتحرير كل جنوب السودان بسلاح يستنزف الموارد التي كان يجب أن تُستثمر في التنمية، أو اتفاق سلام يدور في فلك التدخل المصري والهيمنة الخارجية بحيث يصبح السودان في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

إن ما يسمى بـ(السلام المؤقت) لم يكن سوى محطة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب القوى، ولم يكن سلاماً جذرياً يعالج جذور الأزمة، بل سلاماً هشاً يُبقي بنية الدولة القديمة قائمة ويمنحها فرصة جديدة للانقضاض مجدداً. وقد لخّص أحد المسؤولين الجنوبيين جوهر المأساة حين قال: إن اتفاقية نيفاشا تركت الوحش جريحاً، وكان يجب القضاء عليه تماماً، لأن الوحش الجريح أشد شراسة من الميت.

هذه العبارة تختصر مأساة السودان: فكل اتفاق سلام كان هدنة تكتيكية يضمد فيها الوحش جروحه ويستعيد عافيته، فتُبقي بنية الدولة القديمة قائمة وتمنحها فرصة الانقضاض مجدداً.

إن الفكرة القائلة إن الحل يكمن في قيام دولتين ليست سوى إعادة إنتاج للأزمة في شكل آخر. فالدولة الجديدة التي نشأت في جنوب السودان لم تكن دولة ذات مشروع وطني جامع، وإنما دولة هشة بلا مؤسسات راسخة، فكان من الطبيعي أن تنفجر فيها الصراعات الداخلية، وأن يتحول السلام إلى حرب أهلية جديدة.

إن السلام الذي لا يعالج جذور الأزمة ولا يعيد بناء الدولة على أسس جديدة هو سلام شكلي، وسرعان ما ينقلب إلى عنف. بل إن هذا النوع من السلام أخطر من الحرب لأنه يخلق وهماً بالاستقرار بينما الواقع ينهار من الداخل بالتحريض ورعاية بذور الفتنة المجتمعية والتحشيد.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الاتفاقيات التي تُفرض من الخارج أو تُصاغ بعقلية النخب الضيقة لا تؤدي إلى استقرار حقيقي، لأنها لا تعيد بناء الدولة ولا تنشئ عقداً اجتماعياً جديداً، بل تعيد إنتاج النظام القديم تحت مسميات جديدة.

ومن هنا فإن الحرب – على قسوتها – قد تكون أحياناً أقل خداعاً من سلام زائف، لأن الحرب تكشف طبيعة الصراع بوضوح، بينما يخفي السلام المعطوب اختلالات الدولة والمجتمع خلف لغة دبلوماسية رخوة.

السودان لا يحتاج إلى تسويات مؤقتة ولا إلى صفقات نخبوية، بل إلى مشروع وطني للجميع يعيد تعريف الدولة نفسها: دولة تقوم على المواطنة، والعدالة، وتوازن السلطة، واحترام التنوع.

فما لم تُفكك بنية الدولة التي صنعت الحرب، سيظل كل سلام مجرد نسخة أخرى من الصراع المؤجل.

وما لم يُعاد بناء السلطة من القاعدة إلى القمة، فإن كل اتفاق سيبقى حبراً على ورق، وكل هدنة ستكون مقدمة لحرب جديدة.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي لم تدفع ثمناً للتحرر دفعت لاحقاً أضعافه ثمناً للاستعباد (Fanon، 1961).

الخلاصة: أخطر ما يمكن فعله اليوم هو تكرار سيناريو جنوب السودان، أو القبول بوحدة شكلية مع قوى فاسدة.

السودان بحاجة إلى مشروع تحرر كامل واستقلال حقيقي، لا إلى دولتين مختنقتين ضعيفتين، أو دولة موحدة بروحين وعقلين .

وبالمعنى الجديد ، نحن نحتاج إلى جيش واحد لا جيش موحد ، وإلى دولة جديدة بشروط جديدة.

وحتى أن يحدث تغيير جذري في مصر يظل الخيار بين سلام زائف وحرب موجّهة. الخيار الأصعب هو الأفضل: المواجهة من أجل دولة جديدة بشروط جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!