
التنوير:تقرير
الإجراءات الإدارية تعمّق الهشاشة القانونية
لم يعد وضع اللاجئين السودانيين في مصر مجرد أخطاء إدارية عارضة أو تأخيرات مؤقتة، بل تحول إلى نظام متكامل من التضييق يضع آلاف اللاجئين في حالة هشاشة قانونية متواصلة. منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تتأخر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر في إصدار وتجديد بطاقات اللجوء، وتمنح أحيانًا مواعيد للتجديد تمتد لسنتين أو ثلاث سنوات، دون أي وثائق مكتوبة تثبت تسجيل اللاجئ. هذا الوضع يجعل اللاجئ عرضة للاعتقال التعسفي والملاحقة الأمنية، ويضعه تحت تهديد الترحيل القسري دون أي حماية قانونية.
حتى عند تجديد الإقامة، غالبًا ما تُمنح مدة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، بعد شهرين من الإجراءات المرهقة، لتعيد اللاجئ إلى الدائرة نفسها من الهشاشة والتعسف الإداري، ما يجعل التجربة اليومية للاجئ السوداني في مصر مليئة بالضغط النفسي والخوف المستمر.
التنسيق الأمني مع سلطات بورتسودان
يتزامن هذا التعطيل الإداري مع تنسيق أمني بين الحكومة المصرية وسلطة بورتسودان، التي يهيمن عليها قادة إسلاميون وسياسيون. بينما يتمتع القادة وأسرهم بإقامات مستقرة في القاهرة، يواجه اللاجئون السودانيون—الفارون من الحرب—اعتقالات وملاحقات مستمرة، ما يطرح السؤال عن تحويل ملف اللاجئين إلى أداة سياسية وأمنية بدلًا من أن يكون قضية حماية إنسانية. هذا التنسيق يثير مخاوف جدية من أن إعادة اللاجئين قسرًا باتت أحد أدوات الحرب والسيطرة.
التضييق اليومي على المجتمع السوداني
تتفاقم معاناة اللاجئين بسبب التضييق اليومي على أنشطتهم التعليمية والتجارية. المدارس المجتمعية في مناطق مثل فيصل، وحدائق الأهرام، وعين شمس، ودهشور تُغلق بشكل متكرر، ويُصادر النشاط التجاري الصغير، سواء الأسواق المحلية أو المشروعات المنزلية، التي يعتمد عليها اللاجئون لكسب رزقهم.
تُنفذ حملات التفتيش والمداهمات بشكل شبه يومي، غالبًا دون أوامر قضائية، ما يؤدي إلى حالة خوف مستمر بين الأطفال والنساء وكبار السن، في انتهاك صريح للقوانين المصرية والدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين. هذه الممارسات تحرم المجتمع السوداني من أي شعور بالأمان، وتزيد من هشاشته الاقتصادية والاجتماعية.
المسؤولية المصرية: حماية أم ضغط؟
بوصفها الدولة المضيفة، تتحمل مصر المسؤولية الأساسية عن حماية اللاجئين على أراضيها. لا يمكن التوفيق بين هذه المسؤولية وسياسات تُجرّم اللاجئين إداريًا، في الوقت الذي تستمر فيه القاهرة بدعم مسار الحرب في السودان، سواء مباشرة أو من خلال صمتها تجاه التضييق الذي يتعرض له اللاجئون.
الشرط الأساسي والأخلاقي لعودة اللاجئين بأمان هو وقف الحرب ودعم السلام، لا استخدام اللاجئين كأدوات ضغط سياسي أو إعادة قسرية. أي محاولة لإجبارهم على العودة إلى مناطق النزاع دون ضمانات السلام والحماية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
الصمت شراكة في الانتهاك
الأزمة التي يواجهها اللاجئون السودانيون في مصر ليست نتاج الصدفة، بل نتيجة سياسات متقاطعة تشمل الحكومة المصرية، وسلطة بورتسودان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. الصمت عن هذه الانتهاكات لا يعني الحياد، بل يعتبر شراكة في الانتهاك وتهديدًا مباشرًا لحياة اللاجئين ومستقبلهم.
إن حماية اللاجئين السودانيين تتطلب موقفًا حازمًا وواضحًا من مصر، يضمن لهم الحقوق القانونية والأمنية، ويوقف كل أشكال التضييق على المدارس، المشاريع التجارية، والحياة اليومية. فقط حين يُتاح للاجئين مساحة آمنة للعيش والعمل والتعليم، يمكن أن تتحول مصر إلى دولة مضيفة حقيقية، تحترم التزاماتها الإنسانية الدولية وتوقف استخدام اللاجئين كورقة سياسية.




