رأي

من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية المؤسسية” (1) ​نحو تأسيس الحكم الراشد في السودان الجديد ​الحوكمة ليست “رفاهية” لماذا تسقط حركات التحرر بعد الانتصار؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

​بقلم: مجدي محمد مصطفى ماكن

​مقدمة:

في تاريخ حركات التحرر العالمية، من فيتنام إلى جنوب أفريقيا، ومن أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأدنى، هناك درس قاسٍ يتكرر بدم بارد: “كسب الحرب أسهل بكثير من إدارة السلام”.

اليوم، يقف “تحالف تأسيس” أمام هذا الاختبار التاريخي. لقد نجحت البندقية في دك حصون “دولة 56” وتفكيك أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وسيطرت القوات على مساحات شاسعة من الوطن.

ولكن، السيطرة على الأرض (Control) لا تعني “الحُكم” (Governance).

السيطرة تعني أنك تملك “نقاط التفتيش”، أما الحُكم فيعني أنك تملك “ثقة الناس”.

غياب “الحوكمة” في المناطق المحررة ليس مجرد مشكلة إدارية، بل هو ثغرة أمنية قاتلة يتسلل منها فلول النظام البائد الكيزان ليعيدوا إنتاج دولتهم الفاسدة تحت راياتنا.

​أولاً: لعنة “الفراغ الإداري”..

الفراغ الإداري هي بيئة الكيزان المثالية.

الطبيعة تكره الفراغ. عندما تخرج “الدولة القديمة” بمؤسساتها الفاسدة من مدينة ما، ويتاخر “مشروع التأسيس” في وضع بديله المؤسسي، يحدث “فراغ”.

من يملأ هذا الفراغ؟

يملؤه الأسوأ: تجار الأزمات، السماسرة، والمنظمات الكيزانية المتدثرة بغطاء الإغاثة. هؤلاء يجيدون العمل في “الظلام” وفي غياب القانون.

إن تأخير إرساء قواعد “الحكم الراشد” في مناطق سيطرة التحالف بحجة “انشغالنا بالحرب” هو خطأ استراتيجي قاتل. لأنك بذلك تترك المواطن فريسة لنفس الشبكات التي ثرتَ عليها، فتصبح أنت “المحرر” بالاسم، وهم “الحكام” بالفعل.

​ثانياً: التحول من “شرعية البندقية” إلى “شرعية الإنجاز”

في بداية الثورة، يلتف الناس حول من يحمل السلاح لحمايتهم (الشرعية الثورية). لكن هذا الالتفاف له “تاريخ صلاحية”.

المواطن في نيالا، أو الفاشر، أو الضعين، لا يأكل “شعارات”، ولا يشرب “بيانات عسكرية”. إنه يحتاج إلى:

​قاضٍ يفصل في نزاع حول أرضه أو ظلم تعرض له.

​شرطي يحميه من المتفلتين (حتى لو كانوا من القوات الصديقة).

​موظف نزيه ينظم السوق ويجمع الجباية بقانون وليس بـ “القلع”.

إذا فشل التحالف في توفير هذه الأساسيات، سيبدأ المواطن في الحنين إلى “ظلم الدولة القديمة” لأنها كانت توفر له “الحد الأدنى من النظام”. وهنا تكمن الهزيمة النفسية والسياسية للمشروع.

​ثانياً: مفهوم “الحوكمة” في زمن الحرب

حين نتحدث عن الحكم الراشد الآن، نحن لا نتحدث عن “انتخابات وبرلمانات” (هذه رفاهية ما بعد الحرب). نحن نتحدث عن “إدارة الطوارئ الرشيدة”.

الحوكمة في حالتنا تعني ثلاث ركائز:

​الشفافية: أن يعرف المواطن أين تذهب أموال الجبايات التي تُجمع من الأسواق؟ هل تذهب لخزينة عامة للصرف على الخدمات والمجهود الحربي؟ أم لجيوب طفيليين وسماسرة؟

​المساءلة: أن يكون هناك “رادع”. هل يستطيع المواطن أن يشتكي مسؤولاً أو عسكرياً أخطأ في حقه ويجد إنصافاً؟

​المشاركة: ألا تُفرض القرارات على المجتمعات المحلية “من فوق” (كما كانت تفعل الخرطوم)، بل يتم إشراك الإدارات المدنية الحقيقية (لا المصنوعة) في إدارة شؤونهم.

​رابعاً: الحوكمة كـ “سلاح” ضد التمكين

لماذا يكره الكيزان “الحكم الراشد”؟ لأنهم طفيليات لا تعيش إلا في المياه العكرة.

الفساد والمحسوبية والقبلية هي “أكسجين” الدولة العميقة.

عندما نطبق “نظاماً مؤسسياً” صارماً في المناطق المحررة:

​نمنع الكوز المتخفي من رشوة المسؤول.

​نمنع شيخ القبيلة الفاسد من التوسط للمجرمين.

​نقطع الطريق على المنظمات المشبوهة التي تشتري الذمم بالإغاثة.

إذن، بناء المؤسسات هو “عمل عسكري” بامتياز، لأنه يجفف منابع العدو الخلفية.

​ختاماً: رسالة للقيادة

إن “السودان الجديد” ليس مجرد تغيير في الوجوه، السودان الجديد هو تغيير في “المنهج”.

إذا أدرنا المناطق المحررة بنفس عقلية “المحسوبية، والغتغيت،” التي أدار بها الكيزان الدولة، فنحن لم ننتصر، بل قمنا فقط بـ “تغيير الورديات” في مصنع الفشل.

البدء الفوري في وضع “هياكل حكم مدني” حقيقية، ونزيهة، وشفافة، تخضع للمحاسبة، هو الضمان الوحيد لكي لا يتحول هذا الانتصار العظيم إلى فصل جديد من مأساة الدولة الفاشلة.

​في المقال القادم:

سنناقش “عصب الدولة”: المال. كيف ندير الموارد المالية و ننميها بشفافية لنقتل الفساد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!