
علي سانتينو
ان القاعدة العسكرية السرية التي كشفت عنها نيويورك تايمز في جنوب مصر وتقلع منها الطائرات لضرب دارفور، هي شهادة متأخرة على جريمة قائمة منذ بداية الحرب وليس خبراً، فالسودانيون لم يكونوا بحاجة إلى صور أقمار صناعية ليعرفوا من أين يأتي الموت. الخبر هو أن صحيفة غربية قررت رفع الغطاء عن حقيقة جرى التواطؤ على إنكارها كثراً، حقيقة ان الطائرات التي مدمرت القرى وشردت العباد، وأبادت المدنيين في دارفور لم تكن طائرات سودانية خالصة، هي طائرات عابره للحدود، وموجهة لحرق ما تبقى من البلاد وتقسيمها واحتلالها!
فالحقيقة التي تحاول الصحافة الغربية تدويرها بلغة بارده ومُخففة هي حقيقة مشاركة مصر في حرب السودان وليس دعمها، الشراكة هنا لا تُقاس بالتصريحات كما تقاس بعدد الطائرات التي تقلع والبراميل التي تقصف، وبأجساد الأطفال والنساء تحت الأنقاض.
وعندما تنطلق طائرات اكنجي من أرض مصرية لتقصف السودان، فإن الحديث عن حياد مصر يصبح جريمة أخلاقية، ووساطتها خدعة سياسية مكشوفة. الخطير في الدور المصري ليس في المشاركة ولكن في الترتيب الوقح الذي يسمح لمصر بالجمع بين صفتي قاتل ووسيط. يجب فهم النظام الدولي الذي يقبل لدولة شريكة في النزاع ان تكون جزءاً من الآلية المعنية بحل الأزمة، وأي محاولة لهذه الدولة بالسماح للجلس لاحقاً لاقتراح خارطة طريق للسلام، هي ازدواجية معايير وتواطؤ صريح يرقى إلى منح غطاء سياسي لجرائم حرب!
إن الإصرار الشديد على إبقاء مصر ضمن صف الآلية الرباعية لا يعني سوى حماية الراعي الإقليمي للحرب في السودان. فاي منطق يسمح للقاهرة التي شاركت بفتح أجواءها وقواعدها، وأسهمت في تدمير المصانع في الخرطوم، وقتل المدنيين في دارفور وكردفان أن تكون جزءاً من الحل. الصحيح ان وجود القاهرة داخل أي منصة سياسية يمثل إهانة صريحة لضحايا الحرب السودانية، ورسالة بأن دماء وارواح السودانيين قابله للمقايضة الجيوسياسية!
اهم سؤال يمكن طرحة امام القوى التي تحاول فرض السلام في السودان: متى توبّخ القاهرة على قصف المدنيين في دارفور، ومن يقول إن أول خطوة نحو السلام في السودان تبدأ بسحب مصر فوراً من الآلية الرباعية والتعامل معها كطرف حرب يجب مساءلته، لا شريك سلام يُكافأ بالمقاعد والابتسامات الدبلوماسية، وأي مسار سياسي لا يعترف بشراكة مصر في الحرب، وفتح تحقيق دولي حول دورها في قتل المدنيين بغرب السودان يظل مساراً مفتوحاً وبلا نهاية. فالسلام الدائم لا يُصنع بأيدٍ ملوثة بالدم، ولا يُدار من قواعد اقلاع طائرات الابادة الجماعية. حيث يجب ان تُسمَّ الأشياء بأسمائها، او تظل الرباعية واجهة أنيقة لحرب تُدار من القواعد العسكرية، وتُبرَّر على الطاولات السياسية.




