
عماد جدو
تشهد المنطقة الإقليمية في هذه المرحلة حالة من السيولة السياسية والتوتر المتصاعد، في ظل تحولات متسارعة تتداخل فيها العوامل العسكرية مع التأثيرات الإعلامية الجديدة، وعلى رأسها منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت لاعباً غير مرئي، لكنه شديد التأثير في تشكيل الرأي العام وصناعة المواقف.
في قلب هذا المشهد، يبرز الجدل حول ما يُوصف بالعدوان الإيراني في الإقليم، وما يثيره من انقسام حاد في مواقف الدول والشعوب. فبين من يرى في التحركات الإيرانية تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، ومن يبررها باعتبارها رد فعل على الوجود العسكري الأمريكي، تتعمق فجوة التفاهم الإقليمي، ويزداد الاستقطاب السياسي.
غير أن الأخطر من ذلك، ليس فقط في طبيعة هذه المواقف، بل في الكيفية التي يتم بها تضخيمها وتوجيهها عبر الفضاء الرقمي. هنا، يستدعي الواقع قراءة متجددة لما طرحه الفيلسوف ابن (خلدون )حول “العامة”، ودورهم في التأثير على مسار الأحداث حين تنفصل آراؤهم عن المعرفة الرصينة، وتُقاد بالعاطفة والانفعال. فلو كان ابن (خلدون) قد حذّر من تأثير العامة في سياق تقليدي، فإن “العامة الرقمية” اليوم تمتلك أدوات أكثر خطورة، قادرة على إشعال النزاعات بضغطة زر.
تُعد “الغرف الإلكترونية” مثالاً واضحاً على هذا التحول. ففي الحالة المصرية، برز نشاط مكثف لهذه الغرف، التي تجاوز خطابها حدود النقد إلى ما يشبه الهجوم اللفظي على دول الخليج، مستخدمة لغة حادة ومباشرة. هذا “طول اللسان” الرقمي لم يمر دون رد، إذ قوبل برفض واسع من شعوب الخليج، التي اعتبرت هذه الحملات مسيئة وغير مبررة، ما خلق حالة من التوتر الشعبي غير المسبوق بين مجتمعات كانت تجمعها علاقات تاريخية وثيقة.
ومع تصاعد ردود الفعل، بدأت تظهر مؤشرات على مراجعة داخل بعض الأوساط المصرية، التي أدركت أن هذا الانفلات الإعلامي لم يخدم المصالح الوطنية، بل أضر بصورة الدولة وأضعف من قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية.
. ويبدو أن هذه المحاولات تأتي ضمن سياق أوسع لتبرير مواقف مصر الإقليمية، بما في ذلك عدم إدانة التحركات الإيرانية بشكل صريح، تحت ذريعة أنها تستهدف الوجود الأمريكي وليس دول الخليج.
لكن هذا الطرح، في نظر كثير من المراقبين، يتجاهل تعقيدات الواقع، ويختزل الصراع في ثنائية مبسطة لا تعكس حقيقة التهديدات القائمة، ولا تراعي حساسية التوازنات الإقليمية.
في المحصلة، يمكن القول إن المنطقة لا تعاني فقط من صراعات تقليدية، بل من أزمة في إدارة الوعي العام، حيث أصبحت المنصات الرقمية ساحة موازية لصناعة القرار، أو على الأقل للضغط عليه. وبينما تواصل بعض دوائر صنع القرار، خصوصاً في مصر، العمل بذهنية تقليدية تعود إلى حقب سابقة، فإن طبيعة الصراع قد تغيرت جذرياً، وأصبحت تتطلب أدوات جديدة، ورؤية أكثر انفتاحاً على تعقيدات العصر.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في احتواء الأزمات السياسية، بل في ضبط إيقاع الخطاب العام، ومنع انزلاقه نحو الشعبوية الرقمية التي قد تدفع الدول، دون قصد، إلى مواجهات لا تخدم مصالحها، ولا تعكس أولويات شعوبها.




