رأي

الدورة الرياضية في نيالا… حين تنتصر الحياة على الحرب

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

في مدينة نيالا، وفي مشهد يتحدى كل صور الدمار والموت، انطلقت دورة رياضية بمشاركة محليات المدينة، لتُعد أكبر تظاهرة رياضية يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب. حدثٌ استثنائي لم يولد في ظروف طبيعية، بل خرج من تحت ركام القصف، ومن بين أصوات طائرات الأنتنوف والمسيرات، ليؤكد أن الحياة لا تزال قادرة على الانبعاث.

رغم القتل والخراب واستهداف المدن حتى حافة الفناء، نجح شباب جنوب دارفور بنيالا في تحويل الألم إلى طاقة، والدمار إلى فرح جماعي، والمدرجات إلى مساحة أمل. كانت الملاعب رسالتهم للعالم: بالرياضة نستطيع أن نمد جسور التواصل، ونحمي ما تبقى من إنسانيتنا، ونتشبث بالأمل والعناية الإلهية.

هذه التظاهرة ليست مجرد مباريات كرة قدم، بل فعل مقاومة مدنية، وإعلان واضح بأن دارفور ليست فقط ساحة حرب، بل أرض حياة وإبداع. لقد جسّد هؤلاء الشباب حقيقة راسخة: المعاناة حين تبلغ ذروتها، تلد الإبداع.

المؤسف أن حدثًا بهذه القيمة مرّ في ظل غياب شبه كامل للإعلام الوطني، وغياب أكثر غرابة للإدارة المدنية. وهو تغييب يطرح أسئلة مشروعة: كيف لا يُحتفى بمبادرة تعيد الروح لمدينة منكوبة؟ وكيف لا تُحشد الكاميرات لتوثيق هذا الانتصار الإنساني وسط القسوة؟

إن نقل هذه التجربة إلى المنصات الدولية، والاتحاد الدولي لكرة القدم، كفيل بكشف حجم الظلم الذي وقع على اتحادات دارفور وكردفان، حين عاقبها الاتحاد السوداني بدوافع سياسية وإقصائية، رغم أن الرياضة يفترض أن تبقى بمنأى عن الصراعات. ذنب هذه الاتحادات لم يكن سوى انتمائها إلى جغرافيا مهمشة، في قرارات عكست فسادًا وانفصالًا عن جوهر الرياضة ورسالتها.

كما تمثل هذه الدورة فرصة حقيقية لفتح باب الدعم الدولي، وتبني مشروعات لإعادة إعمار البنية الرياضية، خاصة بعد الدمار المتعمد الذي لحق باستاد نيالا. فالعالم لا يتعاطف مع الأرقام فقط، بل مع قصص الحياة التي تُروى بصدق.

إن ما يحدث في نيالا رسالة واضحة: الحياة عادت، أو تحاول أن تعود، لكن العقلية المحدودة التي تدير المشهد فشلت في تسويق هذا الحدث كما يجب. فلو أُحسن تقديمه، لكان عنوانًا عالميًا عن مدينة قررت أن تواجه الحرب بالكرة، والخراب بالأمل.

نيالا اليوم لا تطلب الشفقة… بل تطالب بأن تُرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!