
نجم الدين دريسة
لم يعد المشهد السياسي في السودان يُدار وفق القواعد التقليدية للصراعات الداخلية أو الوساطات الإقليمية المتعارف عليها. فتعقيدات الأزمة، وطول أمدها، وتحوّلها إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي والدولي، دفعت الفاعلين الدوليين إلى إعادة تعريف أدوارهم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي يبدو أنها هذه المرة لا تتحرك كوسيط محايد، بل كلاعب رئيسي يضع الشروط ويرسم المسارات.
العالم، في نظر واشنطن، لم يعد يحتمل حرباً مفتوحة في قلب إفريقيا وعلى تخوم البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الاستراتيجية في النظام الدولي. لذلك، فإن ما يُقدَّم بوصفه “حلاً” للأزمة السودانية، ليس بالضرورة نتاج توافق داخلي أو إقليمي، بقدر ما هو تعبير عن رؤية دولية ترى أن الوقت قد حان لوضع حد للفوضى، حتى ولو جاء ذلك عبر ترتيبات مفروضة من الخارج.
في هذا السياق، تبدو أدوار ما يُعرف بـ«الرباعية» أو «الدول الثلاث الأخرى» أقرب إلى أدوار شكلية، لا تملك تأثيراً حقيقياً على الخارطة التي ترسمها الولايات المتحدة. فهذه الدول، رغم حضورها الإعلامي والسياسي، لا تبدو قادرة على الخروج عن الإطار الذي تحدده واشنطن، ما يجعلها في كثير من الأحيان أقرب إلى “كومبارس” سياسي، يمنح المشهد غطاءً دولياً، دون أن يمتلك قرار الحسم.
مناورات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، التي اعتمدت طويلاً على كسب الوقت وتبديل التحالفات واللعب على تناقضات الإقليم، تبدو اليوم في طريقها إلى الانتهاء. فمساحة المناورة تضيق بسرعة، والرسائل الدولية باتت أكثر وضوحاً وحدّة. لم يعد مقبولاً، من وجهة النظر الأمريكية، استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، ولا استخدام السيادة الوطنية ذريعة لإطالة أمد الصراع.
أولوية الولايات المتحدة، كما تشير الوقائع، تبدأ بوقف الحرب، ليس بدافع أخلاقي فقط، بل بوصفه شرطاً ضرورياً لإعادة ترتيب الإقليم. يلي ذلك ضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى ملايين المتضررين، بما يمنع الانهيار الكامل للدولة والمجتمع. وفي العمق، تسعى واشنطن إلى تقليم أظافر ما تصفه بمحور الشر، وإعادة رسم الخارطة الدولية في منطقة البحر الأحمر بما يحد من النفوذ الروسي والصيني المتنامي.
السودان، بموقعه الجغرافي وثقله السياسي، ليس تفصيلاً في هذه المعادلة. السيطرة على البحر الأحمر، وتأمين الممرات البحرية، ومنع تحوله إلى ساحة تنافس مفتوحة للقوى الدولية الصاعدة، تشكل دوافع مركزية للانخراط الأمريكي المباشر. ومن هنا، يصبح الملف السوداني جزءاً من صراع عالمي أوسع، لا مجرد أزمة داخلية معزولة.
في هذا الإطار، تبرز ملامح نهاية مرحلة طويلة من الهيمنة المصرية على القرار السوداني. فالقاهرة، التي لطالما تعاملت مع السودان من موقع الوصاية أو المجال الحيوي، تجد نفسها اليوم خارج مركز التأثير الحقيقي. إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى السودان كملف تابع لمعادلات إقليمية تقليدية، بل كدولة يجب إعادة التعاطي معها وفق مقاربة جديدة، تراعي المصالح الأمريكية أولاً، ولو على حساب النفوذ التاريخي لحلفاء قدامى.
السودان إذن يقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يكون طرفاً فاعلاً في إعادة تعريف مستقبله ضمن هذه التحولات، أو مجرد ساحة تُدار فوقها الترتيبات الدولية. وفي الحالتين، فإن ما بعد هذه اللحظة لن يشبه ما قبلها، لا في شكل الدولة، ولا في طبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية.
ما يجري ليس مجرد وساطة جديدة، بل انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة فرض الحل، بكل ما تحمله هذه الحقيقة من فرص ومخاطر على مستقبل السودان.




