رأي

جيش البازنقر المؤدلج و الإنكار المصري 

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

لم يكن تصريح الاستعلامات المصرية الأخير بشأن خلو المؤسسة العسكرية في السودان من الإسلامويين سوى إعادة حرفية ومبتذلة لخطاب قائد جيش البازنقر عبد الفتاح البرهان، الذي ظل يردد منذ اندلاع الحرب ذات السؤال المضلِّل: «أين الكيزان؟». الفرق الوحيد أن البرهان يقولها من داخل الأزمة، بينما تقولها القاهرة من موقع الشريك في صناعتها.

حديث الاستعلامات المصرية لا يمكن فصله عن كونه بيانًا سياسيًا دفاعيًا يهدف إلى تلميع جيش البازنقر خارجيًا، بعد أن تآكلت شرعيته داخليًا وسقط قناعه أمام السودانيين. هو حديث لا يخاطب الحقيقة، بل يخاطب المصالح المصرية التي ترى في بقاء هذا الجيش – مهما كان مخترقًا ومؤدلجًا – صمام أمان لمشروعها الإقليمي في السودان.

التاريخ لا يُمحى بالتصريحات. جيش البازنقر، كما يعرفه السودانيون وكما تثبته الوثائق والشهادات، نتاج مباشر لمشروع الحركة الإسلامية منذ الثمانينيات. اختراق الجيش لم يكن عرضيًا ولا مرحليًا، بل كان عملية ممنهجة قادها الإسلامويون بوعي كامل، واعترف بها رموزهم علنًا، وعلى رأسهم حسن الترابي الذي تحدث بلا مواربة عن زرع التنظيم داخل القوات المسلحة باعتباره ركيزة للتمكين.

الكلية الحربية لم تكن يومًا مؤسسة عسكرية محايدة، بل تحولت عبر عقود إلى مصفاة أيديولوجية، تُنتج ضباطًا على أساس الولاء لا الكفاءة، والانتماء لا الاحتراف. من هناك تشكل جيش البازنقر: جيش عقائدي، لا يرى الدولة إلا من خلال مشروع الإسلام السياسي، ولا يرى الشعب إلا باعتباره مادة للضبط والسيطرة.

وعندما تقول الاستعلامات المصرية اليوم إن الجيش “خالي من الإخوان”، فهي تكذب بوعي كامل. هي تعلم – كما تعلم القاهرة رسميًا وأمنيًا – أن شبكة الإسلامويين لا تزال حاضرة في مفاصل القرار العسكري، في القيادة، وفي غرف العمليات، وفي جهاز الاستخبارات العسكرية نفسه. تصريحات شيوخ التيار الإسلامي، مثل عبد الحي يوسف، عن وجود الكيزان داخل قيادة الجيش، لم تكن زلات لسان، بل إقرارات فاضحة.

الخطير في الموقف المصري ليس الإنكار فقط، بل الإصرار على إعادة إنتاج الكذبة. مصر الجارة التي تفوق سوء الظن العريض، لا تتمسك بجيش البازنقر حبًا في استقرار السودان، بل خوفًا من استقلاله الحقيقي. القاهرة لا تريد جيشًا وطنيًا مهنيًا، بل تريد جيشًا تابعًا، ضعيف الشرعية، قوي القمع، يمكن توظيفه لحماية مصالحها في نهب الموارد، والتحكم في المياه، واختطاف القرار السياسي السوداني.

كل حديث مصري عن “الحفاظ على الجيش” هو في جوهره حديث عن الحفاظ على وصاية غير معلنة. مصر وقفت تاريخيًا ضد أي مسار ديمقراطي حقيقي في السودان، وساندت الإسلامويين حين كانوا يضمنون لها الطاعة، وتساند اليوم جيش البازنقر لأنه يؤدي الوظيفة ذاتها: منع قيام دولة سودانية مستقلة الإرادة.

 

إنكار البرهان، وترديد الاستعلامات المصرية لإنكاره، ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: تضليل متعمد، ومحاولة بائسة لإعادة تعريف الواقع بما يخدم السلطة لا الحقيقة. لكن الشعب السوداني تجاوز هذه المرحلة؛ هو يعرف أن جيش البازنقر ليس جيش الدولة، ولا جيش الشعب، بل جيش مشروع أيديولوجي ارتبط بالقمع والخراب والحروب الأهلية.

 

الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر حماية هذا الجيش، بل عبر تفكيك بنيته المؤدلجة، واقتلاع نفوذ الإسلامويين منه، وفصل السلاح عن السياسة، وإنهاء أي وصاية مصرية أو إقليمية على القرار السوداني. دون ذلك، سيظل جيش البازنقر أداة تخريب لا حارس سيادة، وعائقًا أمام الانتقال المدني لا ضامنًا له.

الرد على الاستعلامات المصرية يجب أن يكون واضحًا وغير دبلوماسي:

جيش البازنقر هو جيش الكيزان بشهادة التاريخ والواقع، ومصر ليست وسيطًا ولا ناصحًا، بل طرفٌ معادٍ لاستقرار السودان، متمسك بالفوضى لأنها تخدم مصالحه.

ومن لا يريد أن يرى هذه الحقيقة، فهو إما شريك في إنكارها، أو مستفيد من استمرارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!