
د. أحمد التجاني سيد أحمد
المتاهات التي أعقبت إسقاط نظام البشير لم تكن مجرد ارتباك سياسي عابر، بل كانت انعكاسًا عميقًا لاختلاط الطموحات بالنزوات، والمواقف بالمصالح، والحكمة بالضجيج. في تلك المرحلة، برز كتّاب وصحفيون ومنصّات صراخ، اختلط فيها النقد المشروع بالسباب، والاختلاف الفكري بالشيطنة والإقصاء. صعد بعضهم سريعًا مستندًا إلى اللحظة، وسقط آخرون تحت ثقلها، بينما ظل السؤال الجوهري معلقًا: كيف لا نكرر أخطاء الماضي ونحن نعتقد أننا نحسن صنع المستقبل؟
هاجسي الشخصي، وأنا أراقب المشهد، كان ألا نعيد الخطأ الذي ارتكبناه بحسن نية بعد انتصار أكتوبر 1964. يومها كنت شابًا غِرًّا، قريبًا في العمر ممن نسميهم اليوم «جيل الثورة». ومع تقدّم العمر، تعلّمتُ أن الإنصات الانتقائي فضيلة، وأن ما أسميه ساخرًا «نوم الديك» قد يكون أحيانًا ضرورة نفسية لتجنّب ضجيج لا ينتج وعيًا ولا يبني موقفًا.
في هذا السياق، يبرز حديث «ود أبوك» بوصفه نموذجًا لخطاب مختلف، خطاب يصدر عن تجربة متجذّرة في المكان والانتماء والعمل، لا عن شعارات عابرة. خلاصة قوله بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها: هذا السودان العريض، المنبسط جغرافيًا وإنسانيًا، يسع الجميع. من أقصى الشمال حيث مورست العنصرية والتهميش بحق النوبيين، إلى الجنوب الذي شغلنا فكره وقضيته ونحن طلاب في المنافي، إلى ثورة ديسمبر التي أعادتني إلى السودان بعد غياب امتد نصف قرن، لأجد نفسي أمد يدي لجيل يصغرني بخمسين عامًا، لكن يجمعنا حلم واحد.
حديث ود أبوك يشبه، في جوهره، ما يقوله بعض العقلاء داخل الدعم السريع: أن السودان وطن جامع، لا يُختزل في جماعة ولا يُحتكر باسم بندقية. هذا القول، لمن يدرك معناه، ليس بسيطًا ولا ساذجًا، بل قول عظيم لا يحمله إلا من امتلك شجاعة الاعتراف بالآخر، ولا يعمل على تحقيقه إلا من تحرر من وهم التفوق والاستحقاق الحصري.
أنا أنتمي إلى جيل قضى شبابه المهني متنقلًا في جغرافيا السودان الواسعة: من الضعين إلى بحر الغزال، ومن النهود إلى الأبيض، ومن جبال الإنقسنا إلى القضارف وكسلا وملكال وبورتسودان، ومن عطبرة وشندي إلى مروي ودنقلا ووادي حلفا. هذا الترحال منحني امتيازًا نادرًا: أن أرى السودان كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.
لذلك أصف نفسي بالمحظوظ، وأدعو أن يبقى هذا الوطن «حدادي مدادي» مفتوحًا، كريمًا، مضيافًا لكل من أراد العودة إليه، متى شاء ومن أي مكان جاء. ومن هنا كان اختياري أن أكرّس ما تبقى من عمري لمشروع التأسيس، لا بوصفه اصطفافًا سياسيًا ضيقًا، بل محاولة جادة لبناء أُسس وطن يتّسع للجميع، بلا إقصاء ولا استثناء.




