
التنوير:تحليل سياس
في الأسابيع الأخيرة، تتزايد المؤشرات على تشكّل تحالف إقليمي غير معلن يمتد من أنقرة إلى الرياض فالقاهرة وإسلام آباد، تحالف لا يقوم على معاهدة رسمية أو إطار مؤسسي واضح، بقدر ما يتأسس على تقاطع مصالح أمنية وسياسية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. هذا التقارب لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات العميقة في النظام الدولي، وتراجع القدرة الأمريكية على إدارة التوازنات الإقليمية، مقابل صعود منطق التكتلات المرنة والتحالفات الظرفية.
تركيا تسعى، منذ سنوات، إلى إعادة تموضعها كلاعب مركزي بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية المتنامية، خصوصاً في مجال الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة. التقارب مع السعودية ومصر يمثل لأنقرة فرصة لكسر عزلة إقليمية سابقة، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري، إلى جانب تعزيز حضورها في ملفات تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي.
السعودية، من جهتها، تتحرك بدافع هواجس أمنية واضحة: تصاعد التهديدات الإقليمية، هشاشة النظام العربي، وتراجع الاعتماد المطلق على الحلفاء التقليديين. لذلك تتجه الرياض إلى تنويع شراكاتها وبناء شبكة علاقات قائمة على تبادل المصالح لا على منطق الحماية، مع التركيز على الأمن، الدفاع، والاستثمارات العابرة للحدود. أما مصر، فتقرأ هذا التحالف من زاوية “الأمن أولاً”، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية ورغبة دائمة في تثبيت موقعها كفاعل إقليمي محوري، مع الاستفادة من الدعم السياسي والمالي الذي توفره هذه الشراكات.
باكستان تمثل الحلقة الأقل حضوراً إعلامياً، لكنها ليست الأقل وزناً. فخبرتها العسكرية، وقدراتها البشرية، وموقعها في معادلات جنوب آسيا يجعلها شريكاً مهماً في مجالات التدريب العسكري والتنسيق الأمني، دون انخراط مباشر في صراعات الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها هامش حركة أوسع.
غير أن هذا التحالف، رغم امتداده الجغرافي واتساع أطرافه، يعاني من هشاشة بنيوية واضحة. فالتناقضات بين مكوناته عميقة، سواء في أولويات السياسة الخارجية، أو في علاقاتهم بالقوى الدولية الكبرى، أو في تباين مقارباتهم تجاه الأزمات الإقليمية. كما أن غياب رؤية مشتركة تعالج جذور الأزمات سياسياً واقتصادياً، والاكتفاء بإدارتها أمنياً، يحدّ من قدرته على إنتاج استقرار حقيقي.
في المحصلة، ما يتشكل اليوم ليس تحالفاً استراتيجياً راسخاً، بل شبكة تنسيق مصلحي، قد تستمر ما دامت التهديدات مشتركة، لكنها تبقى عرضة للتفكك عند أول اختبار جدي، خاصة في ساحات معقدة مثل السودان، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية أكثر مما تتكامل.




