
سمية النور دهب
في السودان، حيث تتشابك السياسة والحرب وتتحول الدولة إلى ساحة صراع، أصبح الإعلام أداة لصنع الواقع أكثر من كونه ناقلًا له. وفي قلب هذا النموذج يقف المسلمي الكباشي، مدير قناة الجزيرة في السودان، ليس فقط كمشرف على غرفة الأخبار، بل كمهندس سرديات يوجّه الخط التحريري وفق مصالح محددة، متجاهلًا المعايير المهنية وأخلاقيات الصحافة، ومحوّلًا المنبر إلى أداة ضغط سياسية واضحة.
الخلل في أداء القناة لا يقتصر على زلة مراسل أو قرار إداري خاطئ، بل هو ثقافة مؤسسية متجذرة. سنوات من تراكم الأخطاء خلطت بين الخبر والتحليل، وحوّلت الوقائع إلى سرديات، وأصبح المنبر أداة لتشكيل الرأي العام بدقة، لكنه بعيد عن المهنية. ما كان مطلوبًا هو إعادة ضبط المعايير، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تمامًا: توسّعت المساحات الرمادية، واستمر استخدام التحليل السياسي لإخفاء الغرض الحقيقي وراء لغة مهذبة، وتحويل الأخبار إلى أدوات لإعادة إنتاج مصالح محددة.
خلال الثورة والمرحلة الانتقالية، كان من المفترض أن تتغير المعايير، لكن القناة استمرت في ممارسة الخلط بين الخبر والرأي، مع الإبقاء على اختيار الضيوف والمحللين الذين يخدمون مصالح معينة، وتهميش الأصوات المستقلة وروايات الضحايا. هكذا تحوّل الإعلام من شاهد على الواقع إلى شريك في إعادة تشكيله، ومبرّر لتجاوزات السلطة، ويكشف غيابًا واضحًا للشفافية والمساءلة.
القضية الأخيرة التي فجرت الجدل كانت قضية الدكتور الوليد مادبو، التي زُج بها في الأخبار بطريقة منحازة وغير مكتملة، وكأنها حكم نهائي قبل اكتمال التحقيقات. هذه الواقعة مثال صارخ على كيفية تحويل المنبر الإعلامي إلى أداة ضغط سياسية، واستغلال اللغة الاحترافية والمصداقية المزعومة للقناة لتوجيه الرأي العام مسبقًا، وإضفاء شرعية على سرديات مختارة، بعيدًا عن أي التزام بالحقائق أو حقوق الأفراد.
هذه الممارسة لا تُحل بعزل موظف هنا أو استقالة هناك. الخلل أعمق: ثقافة مؤسسية تسمح بتسييس الخبر، وتغيّب المراجعة الأخلاقية، وتخلط بين السياسة والتحرير، مما يجعل المنبر شريكًا في التضليل. إدارة القناة تحت قيادة الكباشي تتحمل مسؤولية مباشرة عن هذا الانحراف، لأنه اختيار استراتيجي متعمد لا خطأ عرضي.
الإعلام الذي يضلّل شعبًا لعقود ليس مجرد فشل مهني، بل اختيار مقصود يتحمل مسؤوليته القياديون والمحررون على حد سواء. تقديم معلومات جزئية على أنها نهائية، واستغلالها لتوجيه الرأي العام، يحوّل المنبر إلى أداة ضغط سياسية، ويخلق واقعًا يبعد الحقيقة عن المشاهد، ويخفي مصالح محددة وراء خطاب مهذب.
في السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا أن الهدف ليس نقل الأخبار، بل إدارة الرأي العام، وتوظيف المنبر لتمرير سرديات تخدم مصالح السلطة، مع تجاهل ما هو أساسي: كشف الحقيقة، واحترام حقوق الأفراد، وعدم استخدام الإعلام كأداة تضليل أو ضغط على القضاء والمجتمع المدني.
في النهاية، السؤال لم يعد من أخطأ، بل: أي إعلام نريده في السودان؟ شاهدًا على الواقع أم شريكًا في تضليله؟ وعندما يصبح اختيار الخط التحريري أداة للسيطرة السياسية، يصبح أي حديث عن المهنية مجرد وهم، يسهل استمرار التضليل واستغلال المنابر لأغراض سياسية خفية.




