
التنوير متابعات
قال قائد الجيش السوداني المختطف، عبد الفتاح البرهان، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكنها ترفض – بحسب تعبيره – أن تتحول الهدنة إلى “فرصة لتمكين العدو من جديد”، في تصريح أعاد إلى الواجهة خطابًا عسكريًا تكرّر كثيرًا دون أن يقترب من إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
وجاءت تصريحات قائد الجيش خلال مخاطبته حشدًا بقرية طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة، وسط حضور ديني وصوفي، في مشهد بات مألوفًا لاستخدام المنابر الروحية كرافعة سياسية وخطابية للحرب، أكثر من كونها منصة لمخاطبة جوهر الأزمة.
وتزامن حديث البرهان مع تصريحات أمريكية سابقة بشأن تحركات دولية لإعداد اتفاق سلام محتمل يُرفع إلى مجلس الأمن الدولي، إلا أن قائد الجيش اختار – مرة أخرى – التأكيد على “عدم التفريط” و”زوال العدو”، في خطاب يرى مراقبون أنه يكرّس منطق التعبئة لا التسوية.
وأكد البرهان أن القوات المسلحة “منتصره بفضل التفاف السودانيين حولها”، مشيرًا إلى أن من يضع السلاح وينحاز لما سمّاه “طريق السلام” سيتم الترحيب به، في مقابل التهديد بمحاسبة من وصفهم بالمحرّضين ضد الجيش والبلاد، في تناقض يراه منتقدون بين دعوات السلام ولغة الإقصاء.
كما عاد قائد الجيش لمهاجمة القوى المدنية التي طالبت بفتح تحقيق دولي حول اتهامات استخدام أسلحة محظورة، معتبرًا ذلك استهدافًا للجيش، ومردّدًا سرديات دينية حول “دعاء الصالحين وطلاب الخلاوى” باعتباره عامل النصر، ومشيدًا باصطفاف الطرق الصوفية إلى جانب القوات المسلحة.
تصريحات بلا وزن سياسي
وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي مجدي ماكن إن تصريحات البرهان “ليست ذات قيمة سياسية”، موضحًا أن الرجل “يطلق مواقفه على عواهنها، دون سند سياسي أو وطني متفق عليه”.
وأضاف ماكن أن “الجيش السوداني مختطف منذ سنوات، ولا يمثل إرادة الشعب”، معتبرًا أنه “تحوّل إلى خصم مباشر للسودان، لا حامٍ له”، مشيرًا إلى أن الثوار حسموا هذا الجدل منذ اندلاع ثورة ديسمبر حين رفعوا شعار: الجيش جيش كيزان وليس جيش السودان.
وأكد ماكن أن البرهان “لا يزال يردد سرديات تجاوزها الزمن”، وأن هذه الخطابات “كلفت الشعوب أثمانًا باهظة حين وُظفت لتبرير القتل والإبادة”، لافتًا إلى أن للمؤسسة العسكرية “سجلًا طويلًا في الجرائم والانتهاكات وارتكاب الفظائع بحق المدنيين”.
سلام بشروط البندقية
ويرى مراقبون أن تصريحات البرهان تعكس أزمة أعمق من مجرد موقف تفاوضي، إذ تقوم على تصور للسلام باعتباره امتدادًا للحرب لا قطيعة معها، وعلى فهم للدولة بوصفها ساحة معركة لا عقدًا اجتماعيًا.
وبينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير المدن، يبدو أن خطاب “لا نرفض السلام ولكن…” لم يعد يقنع الشارع السوداني، الذي يرى في تكراره محاولة لإطالة أمد الصراع، لا إنهائه.




