رأي

سلطة بورتسودان: دولة تُدار بالكذب… وطواقم مختارة بعناية للتضليل

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تتحول الكذبة إلى نظام حكم، يصبح الصدق جريمة، ويُمنح المضلِّلون أوسمة وطنية

سلطة بورتسودان ليست مجرد حكومة متناقضة؛ إنها مشروع منظم للتضليل، أُنشئ بعناية، واختيرت طواقمه كما تُختار فرق الدعاية السوداء في الأنظمة المنهارة. هنا لا تحكم البرامج ولا الخطط، بل تحكم الرواية، ولا تُقاس الكفاءة بالإنجاز، بل بقدرة المسؤول على قلب الحقيقة رأسًا على عقب دون أن يرمش له جفن.

منذ الوهلة الأولى، تشعر أن هذه السلطة لا تتحدث بأكثر من لسان، بل بأكثر من حنجرة داخل الرأس الواحد. المسؤول الواحد يخرج بتصريح في المساء، ثم ينقضه في الصباح، ثم يتهم الشعب بسوء الفهم عند الظهيرة. وكأن التناقض ليس عيبًا سياسيًا، بل توصيفًا وظيفيًا. هنا لا يُسأل القائد عن اتساق موقفه، بل عن سرعة تبديله.

عبد الفتاح البرهان، على رأس هذا المشهد العبثي، لا يدير دولة بقدر ما يدير سلسلة متتابعة من التصريحات المتناقضة. الرجل لا يبدو منشغلاً بالحقيقة أصلًا؛ الحقيقة بالنسبة له مادة قابلة لإعادة الصياغة حسب الحاجة. تصريح للداخل، تصريح للخارج، تصريح للاستهلاك المؤقت، وآخر للهروب من الاستحقاق. والنتيجة؟ دولة تتآكل، بينما قائدها يتنقّل بين الجمل كما يتنقّل المقامر بين الطاولات.

أما ياسر العطا، فقد استقر نهائيًا في خانة الضجيج السياسي. لا أحد ينتظر منه معلومة، ولا أحد يبني على كلماته موقفًا. حديث بلا معنى، وجُمل بلا وجهة، وكأن الرجل أُحضِر خصيصًا ليملأ الفراغ الصوتي، لا ليقدّم رأيًا. في أنظمة التضليل، هذا النوع من المسؤولين كنزٌ ثمين: يتكلم كثيرًا، فلا يُترك مجال للصمت… لأن الصمت قد يسمح للحقيقة بالتسلل.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: هذه الطواقم لم تُختَر عبثًا. كل فرد في سلطة بورتسودان يبدو كأنه اجتاز اختبارًا مسبقًا في الكذب، والمراوغة، والتبرير. من لا يجيد تضليل الرأي العام لا مكان له. من يتردد أمام الحقيقة يُقصى. أما من يبرع في صناعة الأكاذيب وتسويقها، فالأبواب تُفتح أمامه. هكذا تُدار الأمور في دولة قررت أن تجعل من الدعاية السوداء مؤسسة رسمية.

الإعلام، بطبيعة الحال، جزء أصيل من هذه المنظومة. ليس ناقلًا للواقع، بل مصنعًا للروايات. لا يسأل “ماذا حدث؟” بل “كيف نُقنع الناس بشيء آخر؟”. تبرير القتل، تجميل الفشل، اختراع الانتصارات الوهمية… كلها مهام يومية. الإعلام هنا لا يخدم المواطن، بل يحرس الكذبة حتى آخر نفس.

منى أركو مناوي، مالك عقار، وكباشي وغيرهم، يكمّلون الصورة لا أكثر. وجودهم ضروري لإضفاء مظهر “التنوّع” على سلطة أحادية العقل. أدوارهم مرسومة بعناية: لا اعتراض حقيقي، لا مواقف فاصلة، فقط حضور يُستخدم عند الحاجة، وصمت طويل حين تصبح الأسئلة محرجة. في سلطة بورتسودان، الصمت فضيلة، والموقف تهمة.

كامل إدريس أُدخل المشهد ليؤدي وظيفة محددة: الإيحاء بأن هناك عقلًا مدنيًا أو واجهة إصلاحية. لكن من يدخل هذا النظام يكتشف سريعًا أن اللعبة ليست لعبة أفكار، بل لعبة طاعة. من يتخيّل أنه جاء ليغيّر، يجد نفسه مطالبًا فقط بأن يُجمّل. ومن لا يقبل، يُهمَّش بهدوء.

هذه السلطة لا يربط بين مكوناتها مشروع وطني ولا هدف مشترك، بل الخوف المشترك من الحقيقة. الحقيقة هنا عدوة الجميع، لأنها تفضح الحرب، وتكشف العجز، وتُعرّي الكذب المتراكم. لذلك تُحارَب بكل الوسائل: بالتصريحات المتناقضة، بالضجيج، وبالدعاية السوداء.

سلطة بورتسودان ليست مأساة سياسية فحسب، بل نكتة سوداء طويلة يدفع الشعب ثمنها دمًا وتشريدًا. ومع ذلك، فهي تظن أن الكذب سيُنقذها، وأن التضليل سيمنحها عمرًا أطول. لكنها تتناسى حقيقة بسيطة: الأكاذيب قد تطيل بقاء السلطة مؤقتًا، لكنها تُعجّل بسقوطها النهائي.

ولهذا، فإن مصير هذه السلطة محسوم. لا لأن معارضيها أقوياء، بل لأن الواقع أقسى من كل الروايات. ومكانها الطبيعي دون تردّد مزبلة التاريخ… مع الاعتذار، ليس للشعب فقط، بل للعقل السياسي السوداني الذي أُهين طويلًا على أيدي محترفي الكذب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!