رأي

حميدتي وإعادة تعريف الدولة: من اختلال الموازين إلى مشروع التأسيس

إبراهيم الشيخ بشارة

 

 إبراهيم الشيخ بشارة

حين تفشل الدولة في إنصاف مواطنيها، يولد التأسيس من رحم الاختلال لا من ترف الاستقرار

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تُقاس القيادات بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة، والسلطة، والعدالة. وفي السياق السوداني المعاصر، يبرز الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي» بوصفه فاعلاً مركزياً في إعادة تعريف معادلة الحكم، ليس كقائد عسكري فحسب، بل كظاهرة سياسية فرضت نفسها على بنية الدولة التي عانت طويلاً من اختلالات عميقة في توزيع السلطة والموارد والتمثيل.

ينطلق مشروع حميدتي من مقاربة تصطدم مباشرة بإرث طويل من الإنكار الرسمي للتنوع والتهميش. فقد جرى، على مدى عقود، إنتاج دولة مركزية مغلقة، احتكرت القرار والثروة، وجرّدت قطاعات واسعة من السودانيين من حقهم في المشاركة المتكافئة. وفي هذا المناخ، اتخذ الصدق السياسي—بما يحمله من مخاطرة—منهجاً لإدارة الشأن العام، عبر مكاشفة المجتمع بحقائق الاختلال البنيوي، دون مواربة أو تجميل، وهو ما وضع المصالح الراسخة أمام اختبار غير مسبوق.

لم يكن من المستغرب أن يؤدي هذا المسار إلى إعادة فرز حاد في المواقف والتحالفات. فالتحولات التي شهدتها مواقف قوى كانت تُصنَّف حليفة، ثم آثرت القطيعة، تعكس في جوهرها لحظة مواجهة بين منطق الامتيازات القديمة ومنطق إعادة التوزيع العادل للسلطة والثروة. هنا، لا تبدو الخلافات شخصية أو عابرة، بل تعبيراً عن تصادم مشروعين: أحدهما يسعى إلى صيانة الدولة كأداة احتكار، والآخر يعمل على تفكيك هذا الاحتكار لصالح مفهوم أوسع للمواطنة.

تكتسب تجربة حميدتي دلالتها الأعمق من قدرتها على تحويل «الهامش» من موقع احتجاج إلى فاعل في صياغة المستقبل. فالتأسيس الذي يُطرح اليوم لا يستند إلى وراثة سياسية أو شبكات نفوذ تاريخية، بل إلى إعادة بناء النظام من خارج قوالبه التقليدية، عبر إشراك قوى طال إقصاؤها. هذه المقاربة لا تنفي التحديات، لكنها تعيد تعريف فكرة الدولة نفسها: من كيان يدار من أعلى، إلى عقد وطني يعترف بتعدد مصادر الشرعية ويستند إلى المساواة الفعلية بين المواطنين.

غير أن إعادة تعريف الدولة لا تكتمل دون رؤية واضحة للتماسك الوطني. فالمشروع التأسيسي، كما يُقدَّم، يفترض هوية جامعة تتجاوز الانقسامات الإثنية والجهوية، وتنفتح على العالم بعلاقات متوازنة تحفظ السيادة وتراعي المصالح المشتركة، مع التزام صارم بالشفافية في إدارة الموارد باعتبارها شرطاً للاستقرار لا سبباً للصراع.

في المحصلة، لا يمكن فهم الدور الذي يلعبه حميدتي اليوم خارج سياق أزمة الدولة السودانية نفسها. فالسؤال لم يعد من يحكم، بل كيف تُعاد صياغة أسس الحكم. وبين منطق الإبقاء على اختلالات الماضي، ومنطق التأسيس لعقد وطني جديد، تتحدد معركة السودان الحقيقية. والتاريخ، كما جرت العادة، لن يحفظ إلا أسماء أولئك الذين امتلكوا الجرأة على مواجهة الاختلال، والسعي إلى إعادة تعريف الدولة على قاعدة العدالة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!