ثورات السودان بين المجد والإخفاق دروس التاريخ وضرورة كسر دائرة الإفلات من العقاب
عبدالعزير بخات المحامي ؛ والمدافع عن حقوق الإنسان

عبدالعزير بخات المحامي ؛ والمدافع عن حقوق الإنسان
ثورة ديسمبر المجيدة كانت محطة مفصلية في التاريخ السياسي السوداني ثورة شعبية اندلعت في ديسمبر 2018 وامتدت لأشهر طويلة خرج فيها ملايين السودانيين من مختلف الأقاليم والفئات مطالبين بإسقاط نظام الإخوان المسلمين الذي حكم البلاد قرابة ثلاثة عقود بالحديد والنار وبالقمع والإقصاء والفساد المنظم
انطلقت شرارة الثورة من شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ثم تمددت في كل مدن السودان لتتحول إلى فعل وطني جامع عبّر عن توق الشعب السوداني للحرية والسلام والعدالة ولإقامة دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة حكم القانون والمواطنة المتساوية
غير أن المسار السياسي لما بعد سقوط رأس النظام كشف عن أزمة عميقة في إدارة الانتقال فقد تكررت ذات الأخطاء الاستراتيجية والسياسية التي رافقت ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 حيث نجح الشارع في إسقاط الأنظمة الشمولية لكنه فشل في تفكيك بنيتها العميقة ومحاسبة رموزها
في ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود عاد العسكر مجددا إلى المشهد نتيجة ضعف الأحزاب وانقسامها وغياب برنامج وطني موحد وفي أبريل 1985 سقط نظام جعفر نميري لكن غياب المحاسبة والإفلات من العقاب سمح بإعادة إنتاج الشمولية في ثوب جديد
تكرر المشهد نفسه بعد ثورة ديسمبر إذ أخفقت القوى السياسية في حماية مكتسبات الثورة وسلمت السلطة فعليا للمؤسسة العسكرية تحت ذرائع الشراكة والمرحلة الانتقالية دون ضمانات دستورية حقيقية ودون تفكيك منظومة التمكين ودون محاسبة نظام الإنقاذ على جرائمه الجسيمة
تلك الجرائم شملت تقويض النظام الدستوري شن الحروب الأهلية التسبب في انفصال جنوب السودان القتل خارج القانون التهجير القسري الإبادة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والفساد المالي والإداري ومع ذلك ظل مبدأ الإفلات من العقاب هو القاعدة وليس الاستثناء
إن غياب العدالة الانتقالية وعدم محاسبة الأنظمة الفاسدة كان القاسم المشترك بين ثورات السودان الكبرى وهو السبب الجوهري في فشل التحول الديمقراطي فالثورات التي لا تحاسب لا تؤسس لدولة القانون بل تفتح الطريق لعودة الاستبداد بأشكال جديدة
كما أن انقسام الأحزاب وغياب الرؤية المشتركة وضعف القيادة السياسية وغياب المشروع الوطني الجامع جعل الثورة عرضة للاختراق وأفقدها زمام المبادرة وسمح للعسكر وللقوى المضادة للثورة بالانقضاض على أحلام الشباب
إن الدرس التاريخي الواضح من أكتوبر وأبريل وديسمبر هو أن إسقاط النظام لا يكفي وأن الشراكة مع العسكر دون رقابة ومحاسبة تؤدي حتما إلى إجهاض الانتقال وأن العدالة ليست مطلبا أخلاقيا فقط بل شرطا سياسيا لبناء الدولة
وعليه فإن مسؤولية الجيل الثوري والشباب السوداني اليوم تتمثل في كسر هذه الحلقة المفرغة عبر التمسك بوحدة القوى المدنية وبناء جبهة وطنية ديمقراطية ذات برنامج واضح وتقديم العدالة كأولوية لا تقبل المساومة ومقاومة أي محاولة لإعادة إنتاج الإخوان المسلمين
إن ثورة ديسمبر المجيدة ستظل ثورة وعي وكرامة حتى وإن تعثرت نتائجها المرحلية لكنها لن تكتمل إلا بتحقيق شعاراتها كاملة حرية سلام وعدالة وبإقامة دولة مدنية ديمقراطية لا مكان فيها للإفلات من العقاب ولا عودة فيها للأنظمة الفاسدة




