امتحانات نيالا: انتصار الحق في التعليم وتحديات الاعتراف بالمستقبل الأكاديمي (1/2)
د. نورالدين هلال

د. نورالدين هلال
عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهنيين والنقابات (تأسيس)
امتحانات نيالا.. حين ينتصر حق التعليم
قرع الجرس اليوم في العاصمة السودانية نيالا إيذاناً بانطلاق امتحانات الشهادة السودانية التي تنظمها حكومة السلام والوحدة في حدث استثنائي يمثل علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث. ولا تنبع أهمية هذا الحدث من كونه مجرد إجراء تعليمي اعتيادي، وإنما لأنه يأتي للمرة الأولى خارج المنظومة المركزية للدولة السودانية التي احتكرت إدارة العملية التعليمية منذ الاستقلال عام 1956م.
ولم يكن لهذا المشهد أن يتشكل لولا الحرب الكارثية التي أشعلتها الحركة الإسلامية الإرهابية وجناحها السياسي حزب المؤتمر الوطني المحلول، في محاولة لمقاومة التحولات التي فرضتها ثورة ديسمبر المجيدة ومطالب السودانيين في الحرية والعدالة.
وكما جرت العادة في حروبها السابقة التي انتهى آخرها بانفصال الجزء العزيز من الوطن “جنوب السودان”، جرى توظيف أدوات الاستقطاب والتمييز والإقصاء ذاتها، وكان التعليم أحد أبرز ضحايا حرب ١٥ أبريل.
فمنذ اندلاع الحرب حُرم عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان من حقهم في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، ليس بسبب تقصير منهم أو ضعف في تحصيلهم العلمي، وإنما بسبب وجودهم في مناطق صُنفت سياسياً من قِبل السلطات في بورتسودان بأنها مناطق حاضنة للخصوم.
وبذلك تحول التعليم من حق دستوري وإنساني إلى أداة من أدوات الصراع السياسي والعسكري.
لقد امتد هذا الحرمان لثلاث سنوات متواصلة، فشلت خلالها كل المناشدات والجهود المحلية والدولية في إقناع سلطة بورتسودان بإيجاد معالجات عادلة لهؤلاء الطلاب. وخلال تلك السنوات اضطر الآلاف إلى النزوح أو اللجوء إلى دول الجوار بحثاً عن فرصة لمواصلة تعليمهم أو الجلوس للامتحانات، بينما فقد آخرون سنوات ثمينة من أعمارهم الأكاديمية في انتظار حل لم يأتِ.
ومن هذا المنطلق، فإن تنظيم حكومة السلام للامتحانات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خطوة إدارية أو سياسية، بل باعتباره استجابة مباشرة لحق أصيل من حقوق الإنسان، وهو الحق في التعليم.
فالحقوق الأساسية لا يجوز أن تكون رهينة للمواقف السياسية أو لموازين القوة العسكرية، كما لا يجوز استخدامها أداة للعقاب الجماعي ضد المدنيين.
لقد وجد تحالف السودان التأسيسي نفسه أمام واقع يفرض عليه التعامل مع احتياجات ملايين المواطنين في المناطق التي تعطلت فيها مؤسسات الدولة أو غابت عنها الخدمات الأساسية. وكان التعليم في مقدمة تلك الاحتياجات. وتشير التقديرات إلى أن نحو عشرة آلاف طالب وطالبة ظلوا ينتظرون فرصة الجلوس للامتحانات طوال السنوات الثلاث الماضية، بينما تمكن آخرون من الوصول إلى مراكز امتحانات خارج مناطقهم بعد تحمل مخاطر النزوح واللجوء.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن فقط في انعقاد الامتحانات، بل في الرسالة التي يحملها، وهي أن الحرب مهما طالت لا ينبغي أن تحرم الأجيال الجديدة من حقها في التعلم وبناء المستقبل، فالمجتمعات لا تنتصر بالسلاح وحده إنما تنتصر أيضاً بقدرتها على حماية التعليم وحق الوصول إليه في أحلك الظروف وأكثرها قسوة.
وبينما يمثل انعقاد الامتحانات في حد ذاته انتصاراً لهذا الحق، فإن الأسئلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة للطلاب وأسرهم تبدأ فعلياً بعد الفراغ من الامتحانات: ما مصير هذه الشهادات؟ وكيف سيتم استيعاب الناجحين في مؤسسات التعليم العالي؟ وما هي الضمانات الأكاديمية والقانونية التي تكفل لهم مستقبلاً ووضعا تعليمياً آمناً؟
هذه التساؤلات المشروعة، وما يرتبط بها من تحديات وفرص، ستكون محور الجزء الثاني من هذا المقال.




