رأي

معركة الاعتراف الدولي بعد حرب المقاعد في واشنطن

دقاش حسب الله دقاش

 

دقاش حسب الله دقاش 

منذ الخامس عشر من أبريل 2023 ظل الرأي العام مشدوداً إلى دوي المدافع وتبدل مواقع السيطرة ولوائح العقوبات الغربية على قادة النزاع، غير أن مساء العاشر من يونيو 2026 نقلت لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأمريكي المعركة إلى ساحة أخطر وأبعد أثراً وهي ساحة الاعتراف الدولي. فقد أجازت اللجنة مشروعاً لم يعد يستهدف أشخاصاً بعينهم وإنما يستهدف الصفة التي يتحدثون بها أمام العالم أي صفة التمثيل الرسمي للدولة السودانية داخل المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة. وما وافق عليه النواب لم يعد مجرد حزمة عقوبات مالية أو قيود سفر بل تحول نوعي في منطق التعامل مع الأزمة السودانية، فبدلاً من معاقبة الفعل انتقل الخطاب إلى التشكيك في الفاعل ذاته. ويلزم المشروع واشنطن بالتحرك العاجل داخل لجنة اعتماد المندوبين التابعة للجمعية العامة لتجميد تمثيل حكومة بورتسودان، كما يفتح الباب أمام مراجعة من يحق له شغل مقعد السودان لحين قيام سلطة مدنية منتخبة. وبذلك تكون الأداة الجديدة ليست الحظر المالي بل الحظر التمثيلي وهو سلاح أكثر فتكاً لأنه يصيب الدولة في صميم سيادتها. 

ولكي نفهم سر قوة هذه القاعدة يجب أن ندرك أن الأمم المتحدة لا تخلق الدول وإنما تختار من ينطق باسمها، فعندما تنشأ منازعة على السلطة داخل دولة ما لا يصبح السؤال من يسيطر على القصر الرئاسي بل من يحمل وثائق التفويض المعتمدة، وهذه المهمة أوكلتها المواثيق الدولية للجنة وثائق التفويض. وإذا بدأت اللجنة في مناقشة شرعية وفد ما فإن ذلك لا يعني الطرد الفوري من المنظمة ولكنه يعني بداية عزلة دبلوماسية متدرجة تضعف موقف الدولة في كل ملف بدءاً من القروض وانتهاءً بالتوقيع على الاتفاقيات، هنالك تجارب تؤكد أن سقوط الاعتراف الدولي أشد إيلاماً من سقوط العاصمة ذاتها.

ومنذ بداية الحرب استندت السلطة القائمة في بورتسودان إلى ركيزتين أساسيتين أولاهما السيطرة على مؤسسات الدولة السيادية وخاصة بنك السودان والبعثات في الخارج، وثانيتهما الاحتماء بالاعتراف الدولي الذي يمنحها حق الكلام باسم السودان ورفع علمه في المحافل الدولية وإبرام المعاهدات والتعامل مع المؤسسات المالية العالمية. إلا أن مشروع الكونغرس يضرب الركيزة الثانية مباشرة فهو لا يصادر المقعد ولكنه يطعن في شرعية من يجلس عليه ويشترط عودته لشرعية مدنية، وهذا الطعن وإن بدا إجراءً شكلياً إلا أن أثره عملياً كبير لأن الدول والشركات والبنوك تصبح أكثر حذراً في التعامل مع حكومة محل نزاع أممي وتتوقف القرارات المصيرية خوفاً من بطلانها مستقبلاً.

ولا تكمن خطورة المشروع في بند الاعتماد وحده وإنما في شبكة البنود التي تحيط به، إذ يطلب خلال ثلاثة أشهر مراجعة شاملة لتصنيف أطراف الصراع ضمن قائمة الكيانات الإرهابية العالمية ويفرض عقوبات على القيادات وعائلاتهم إلا من تبرأ علناً من الانتهاكات، كما يكلف البيت الأبيض بتقارير دورية عن معرقل المساعدات الإنسانية ويطلب خطة أمريكية متكاملة للانتقال المدني. ومن خلال هذا التركيب تعيد واشنطن تعريف الأزمة فلم تعد نزاعاً داخلياً بل قضية مركبة تجمع بين الانتهاكات الجسيمة والجرائم المحتملة والإرهاب المشتبه وغياب الشرعية المدنية، وهي خلطة تجعل من الصعب تحويل أي تفوق ميداني إلى شرعية دولية مستدامة.

والرسالة التي يريد الكونغرس إيصالها لا تحتاج إلى ترجمة إذ تقول واشنطن بوضوح إنها لن تمنح أي طرف فرصة تحويل الانتصار العسكري إلى شرعية سياسية دائمة، وأن الاعتراف الدولي سيبقى مربوطاً بمسار الانتقال الديمقراطي. وهذه القاعدة الجديدة تخلق معادلة قاسية لأي سلطة تريد الحكم بالبندقية فقط وهي سيطرة ميدانية بلا غطاء دولي كامل، وفي عالم اليوم لم تعد السيادة تكتمل بالدبابات وحدها بل تكتمل بالمقعد في قاعة الجمعية العامة، وكم من حكومات ضعيفة عسكرياً بقيت لأن العالم اعترف بها وكم من سلطات قوية ميدانياً سقطت لأن العالم تجاهلها.

وإذا تبنت الإدارة الأمريكية توصية اللجنة وتحركت بجدية داخل الأمم المتحدة فإننا أمام ثلاثة احتمالات، فالاحتمال الأول هو تجميد المقعد مؤقتاً وتكليف جهة محايدة بإدارة التمثيل حتى تتشكل حكومة مدنية وهو ما سيشل يد بورتسودان دبلوماسياً ومالياً، أما الاحتمال الثاني فيتمثل في ظهور وفد منافس يحظى باعتراف جزئي مما يولد ازدواج تمثيل يذكرنا بسيناريو ليبيا واليمن، بينما يتمثل الاحتمال الثالث في تقديم تنازلات سياسية من السلطة الحالية لاستعادة الاعتراف وهو خيار صعب لكنه الأقل كلفة على المدى البعيد. وأياً كان المسار فإن الاقتصاد سيكون أول المتأثرين إذ ستتردد البنوك العالمية في التعامل مع حكومة غير مستقرة التمثيل كما ستتعثر المنح والقروض وسيبقى المواطن هو من يدفع ثمن هذا الفراغ السيادي.

وعليه فإن مشروع قانون العاشر من يونيو يعلن نهاية مرحلة كانت فيها المعركة على الأرض هي كل شيء ويؤس لمرحلة جديدة عنوانها معركة الشرعية، فالعقوبات تضرب الأفراد لكن بند الاعتماد يضرب الدولة نفسها ويسأل سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله وهو من يتكلم باسم السودان اليوم. وإذا بقي هذا السؤال معلقاً داخل أروقة الأمم المتحدة فسيكون وقعه على حكومة بورتسودان أثقل من أي حزمة عقوبات لأن المتضرر الأكبر سيكون الطرف الذي يحمل اسم الدولة رسمياً. ولذلك فإن الدرس الذي يفرضه الواقع الآن أن استعادة وحدة القرار الوطني لم تعد ترفاً سياسياً ولا شعاراً في المظاهرات بل صارت مسألة حياة أو موت للدولة، فإما أن نستعيد مقعدنا الموحد في العالم أو نهيئ أنفسنا لكتابة فصل جديد في كتب التاريخ عنوانه كيف خسر السودان كرسيه قبل أن يخسر أرضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!