
إسماعيل رحمة المحامي
لقد جاء تكوين ونشأة النخب المركزيه الاقليه وأولاد الأفنديه ورثة الإنجليز وموظفى مصر فى السودان عندما ظهرت هذه النخب المركزيه الاقليه فى فترات من تاريخ الدولة السودانيه فى مراحل مختلفه خلال (١٩٢٤م) نشأة وتكوين جمعية اللواء الابيض وظهور فكرة وادى النيل مابين الوحدة أو الاتحاد مع مصر هذه هى بداية ظهور بنية وعقلية الدولة العسكريه من طبقة الظباطيه والبندقجيه لصالح مصر. وأما خلال فترة (١٩٣٨ ) ظهرت مجموعه من أولاد الأفنديه من خريجي المدارس الأوليه فى السودان (رابعه كتاب ) ومن الذين درسوا فى بيروت لبنان والذين ودرسوا فى القاهرة المدارس الاعداديه والأزهر الشريف والذين درسوا فى بريطانيا العظمى اكسفورد و مدارس الكمبوني التبشيريه حيث أصبحوا من أهل الحظوة والامتيازات التاريخيه فى التعليم والخدمه المدنيه وأسسوا مايعرف ب(مؤتمر الخريجين ١٩٣٨) ومن خلال ظهور هاتين الطبقتين (الظباطيه والبندقجيه العسكريين والأفنديه صغار الكتبه والمحاسبين والمدرسين ) ظهرت طبقه ثالثه وهى طبقة التجار ورجال المال من بعض زعماء المجتمع والأجانب الوافدين والمستجلبين من قبل المستعمر الانجليزى للسيطرة على الإنتاج والموارد والاقتصاد وهؤلاء إحتكروا فرص الإستثمار والعطاءات والمقاولات الحكوميه وهنا نشات أول مجموعات العملاء والجواسيس وأصحاب النفوذ واللوبيات الرأسماليه المؤثره على سلطة القرار فى الدوله وفى ظل هذه الظروف الاستثنائيه فى ذاك الزمان كان لرجال الدين والإداره الأهليه تاثير واضح جدا فى تشكيلات هذه الطبقات من النخب المركزيه الاقليه حيث أن رجال الدين والإداره الأهليه الذين أعلنوا ولاءهم وطاعتهم لتنفيذ أوامر وقرارات الإداره البريطانيه الحاكمه فى السودان من باب الحكمه وعدم المعارضه وبهذا تمكنوا من حق ادارة مجتمعاتهم بإسم الاداره الاهليه وصلاحياتها وقد ساعدهم فى ذلك أن مناطقهم طرفيه وبعيده عن مركز الدوله فى الخرطوم وأن الإنجليز كان من الصعب عليهم الوصول الى هذه المناطق وإدارتها قبل فرض سيطرتهم على العاصمه الخرطوم .
هذه التشكيلات لقد أخضعتها للدراسه والبحث تحت (مجهر التاريخ المسكوت عنه) للوصول الى التعريف الصحيح لمفهوم دولة (56) ومن هم النخب المركزيه الاقليه عليه فقد وجدت أن هنالك ثلاثه أنواع من النخب المركزيه وهم النخب الخرطونيليين(الخرطويه هى كيس من الدموريه يحمل فيه المسافر أمتعته وذاده لمسافة الطريق على كتفه بمساعدة عصى ) اليوم تعرف ب الشنطه الهاندباك أو السمسونايت وهؤلاء جاءوا من جهة النيل شمالا ووسطا وسكنوا الخرطوم لأسباب منها الدراسه فى كلية غردون التذكاريه
(دفعة جامعة الخرطوم) ومجموعات العسكريين من ظباطيه وبندقجيه المدرسه الحربيه نواة الكلية الحربيه وتنكروا على مجتمعاتهم المحليه وكذلك مجموعة النخب الخرطوخرطوميين وهؤلاء مجموعات جاءوا من جميع أنحاء السودان لظروف مختلفه منها التجارة والزواج والوظيفه والعمل وأصبحوا من سكان الخرطوم وأطلقوا عليهم صفة أولاد العاصمه (الخرطوم امدرمان ) وإنقطعت أخبارهم وتواصلهم مع أهلهم فى مناطق الريف السودانى ومن بين هاتين النخبتين ظهرت نخبه ثالثه عرفت بالنخب الخرطوصفويه وهم اى انهم إعتبروا انفسهم صفوة الخريجيين والعسكريين والتجار والموظفين ورجال الدين وقيادات المجتمع وهذه النخب الخرطوصفويين هم الذين إنفردوا بنفوذ السلطه والحكم واتخاذ القرار فى الدوله ومجالس الإنجليز والمصريين ومنهم جاءت فكرة دولة 56 عندما تمت عملية السودنه للدولة والوظائف (تحويل الوظائف من الاجنبى البريطانى الى السودانيين ) ولكن للاسف هذا التحويل تم فى عمليه إحتيال وسرقه وإستغلال وتغييب للإرادة الوطنيه للشعوب السودانيه دون مشورة أو مشاركه او توزيع الحقوق بميزان العدالة فكان ميلاد الدوله و السلطة قبل الإستقلال وبدون ضمير وطنى توافقي بل كانت عملية إستغلال وغش وسرقة إرادة السودانيين من قبل أقليه نخبويه ومعهم الإنجليز الذين كانوا مخلصين واوفياء لمكافأة العملاء والجواسيس الذين أخلصوا معهم فى تسهيل مهمة حكم السودان وسرقة الموارد وقتل المواطنين المعارضين لحكم الانجليز .
فإن عقلية وبنية الدوله السودانيه كانت تقوم على عمليه إجراميه وخيانه عظمى مع سبق الإصرار والترصد لقتل مفهوم الديمقراطيه والسياده والوطنيه وحكم الدستور والقانون ومنذ ميلاد فجر استقلال السودان ١٩٥٦ نجد أن هؤلاء النخب المركزيه الاقليه المذكورين (الخرطونيليين والخرطوخرطوميين والخرطوصفويين ) إختاروا أسوأ وسيلتين للحصول على السلطه والحكم وهما طريق الانقلابات العسكريه وطريق الاستهبال السياسي لسرقة إرادة وأصوات الشعوب السودانيه وهاتين الوسيلتين هما السبب الرئيس وراء كل أزمات الدوله السودانيه وغياب الديمقراطيه و التداول السلمى للسلطه والتحول المدني الديمقراطي والسلام والتنميه والحوكمه وإحترام الدستور والقانون والعداله وحقوق الإنسان وإندلاع الحروب والصراعات المستمره والغبن والمظالم التاريخيه وسياسات الإستبداد الجهوى والإستعباد وقهر الشعوب السودانيه.
عليه لابد من الوصول الى قناعه راسخه أن الدوله السودانيه لن تنهض ولن تتقدم ولن تستطيع الوصول الى أمن وإستقرار وطمأنينه وسلام دائم يحقق التنميه والحكم الراشد والشفافيه والمساءله والمحاسبه ومبادئ العدل فوق الجميع والإنسانيه لا تتجزأ إلا بتحطيم عقلية وبنية دولة 56 فى ذهنية النخب المركزيه الاقليه العنصريه وفرض ديمقراطية القوة وفيدرالية القوة والوحده الوطنيه طوعيه واختياريه بين الشعوب السودانيه وتطبيق قواعد العداله الإنتقاليه وتأسيس الدوله المدنيه الديمقراطيه دولة الدستور والقانون وحقوق الإنسان بمعايير العقد الاجتماعي والمبادئ فوق الدستوريه .
تحياتى
إسماعيل رحمه
المحامى والمستشار القانونى الدولى
١١فبراير ٢٠٢٦م




