رأي

الخماسية تُشرعن الإفلات من العقاب

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يكن بيان الخماسية الصادر من أديس أبابا مجرّد صياغة دبلوماسية باهتة، بل رسالة سياسية خطيرة في توقيت بالغ الحساسية.

البيان تحدّث عن “انتهاكات من أطراف الصراع” دون أن يسمّي جهة، ودون أن يحدد مسؤولية، ودون أن يقدّم تشخيصاً قانونياً واضحاً لما يجري على الأرض،وهنا مكمن الخطر.

عندما تُرتكب جرائم بحق المدنيين، ويُستعاض عن التحديد بالتعميم، يصبح الغموض شكلاً من أشكال الحماية غير المباشرة للمرتكب.

وضع جميع الأطراف في خانة واحدة دون تفكيك المسؤوليات لا يصنع توازناً، بل يصنع ستاراً كثيفاً يُخفي الفاعل الحقيقي”المساواة الشكلية،ظلمٌ حقيقي”.

بيان أديس تعامل مع المأساة السودانية كأنها إشتباك متكافئ بين طرفين متساويين في الفعل والإتهاك،و هذه المقاربة، مهما بدت متزنة على الورق، تُنتج ظلماً عملياً، لأنها:تُذيب المسؤولية الفردية والمؤسسية

تمنح الجناة فرصة للاختباء خلف لغة “الجميع مذنب”.

تفتح الباب واسعاً أمام الإفلات من العقاب.

في النزاعات المسلحة، الإفلات من العقاب ليس نتيجة جانبية، بل هو وقود إستمرار الحرب.

إذا كانت هناك تقارير وشهادات ومطالبات حقوقية، فلماذا جاء البيان بلا أسماء؟لماذا لم يتضمّن دعوة صريحة لتحديد المسؤولية الجنائية؟

ولماذا إكتفى بإدانة عامة تحفظ التوازن السياسي ولا تحسم الحقيقة؟.

الوساطة لا تعني طمس الوقائع. والحياد لا يعني تعليق العدالة،بل إن أخطر أشكال الإنحياز هو الحياد بين الجاني والضحية.

في الوقت الذي يتطلب فيه المسار الطبيعي لأي حل سياسي تشكيل لجنة تقصي حقائق دولية مستقلة، ذات تفويض كامل وصلاحيات واضحة، ترفض سلطة الأمر الواقع الإنقلابية في بورتسودان هذا المسار بصورة متكررة.

هذا الرفض ليس تفصيلاً إجرائياً،هو موقف سياسي واضح من مسألة المحاسبة.

التحقيق المستقل يعني كشف تسلسل الأوامر، وتحديد المسؤوليات من المنفذين إلى القيادات، وفتح الباب أمام مساءلة لا يمكن إحتواؤها بلجان داخلية محدودة الصلاحيات.

لهذا يصبح بيان الخماسية – بصيغته المائعة – متناغماً مع رغبة رافضي التحقيق، لأنه يساوي بين الجميع دون مساءلة محددة.

التاريخ الحديث للنزاعات يؤكد حقيقة واحدة:

لا سلام دائم دون عدالة.

السلام الذي يتجاوز تحديد المسؤوليات هو سلام هشّ، يقوم على تسويات سياسية مؤقتة لا تُنهي جذور الأزمة.

السلام الذي يبدأ بالحقيقة والمساءلة، فهو وحده القادر على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة ليس مطلباً سياسياً لطرف ضد آخر، بل شرط قانوني وأخلاقي لأي عملية انتقال حقيقية،و هو اختبار للمصداقية

الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة ، هذه ليست جهات مراقبة صامتة، بل مؤسسات تدّعي حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان.

إذا كانت بياناتها لا تُسمّي الجريمة ولا تُحدّد المرتكب، فإنها – بقصد أو بغير قصد – تُسهِم في شرعنة الإفلات من العقاب.

السؤال الذي يفرض نفسه:هل المطلوب إنهاء الحرب عبر العدالة،أم إدارة الأزمة عبر بيانات تحفظ التوازنات وتؤجل الحقيقة؟

السودانيون لا يحتاجون بياناً متوازناً شكلياً،يحتاجون عدالة واضحة لا لبس فيها،ما لم تُكسر دائرة الإفلات من العقاب، سيظل أي حديث عن السلام مجرد عنوان جميل لحرب مؤجلة.

ولنا عودة بإذن الله

الخميس،١٢فبراير/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!