رأي

جرائم البادية الجنوبية تكشف مأزق الحرب وتعمّق عزلة سلطة بورتسودان

أدهم الضهيب

 

 أدهم الضهيب

لم تعد الهجمات المتكررة التي تستهدف المدنيين في البادية الجنوبية بولاية النيل الأزرق حدثاً معزولاً يمكن تفسيره في إطار العمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تمثل نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي تثير مخاوف متزايدة بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. فاستهداف التجمعات السكانية والرعاة والأسر الفارة من ويلات الحرب يعكس واقعاً بالغ القسوة، ويؤكد أن المدنيين باتوا يدفعون الثمن الأكبر لصراع طال أمده واتسعت رقعته.

إن استمرار هذه الانتهاكات في مناطق متعددة من السودان، من دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق، يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الرهان على الحل العسكري، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين. فالحروب لا تمنح الشرعية، واستهداف السكان لا يحقق نصراً سياسياً أو عسكرياً، بل يضاعف من حجم المأساة الإنسانية ويزيد من عزلة الأطراف المتورطة فيها

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة في ظل العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية محظورة دولياً. فهذه الإجراءات لم تأتِ في سياق سياسي مجرد، وإنما ارتبطت بتحقيقات ومعلومات دفعت واشنطن إلى اتخاذ خطوات تصعيدية، الأمر الذي جعل الملف السوداني ينتقل إلى مرحلة أكثر حساسية على المستوى الدولي، مع تنامي المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات جسيمة تثبتها الأدلة.

وفي هذا السياق، تبدو الهجمات التي شهدتها البادية الجنوبية وكأنها تزيد من تعقيد المشهد، إذ يرى كثير من المراقبين أنها تعكس إصراراً على مواصلة النهج العسكري رغم الضغوط والعقوبات الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة السياسية والدبلوماسية، ويقوض فرص الوصول إلى تسوية تنهي معاناة المدنيين.

كما أن الآثار الإنسانية لهذه الهجمات تتجاوز أعداد الضحايا والمصابين، إذ تمتد إلى تدمير سبل العيش، وتعطيل حركة الرعاة، وتهجير الأسر، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة ظروف الحرب. ومع كل هجوم جديد تتراجع فرص الاستقرار، وتتسع دائرة الاحتياجات الإنسانية، بينما يظل المدنيون الحلقة الأضعف في هذا الصراع.

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بأكثر من بيانات الإدانة، فحماية المدنيين تستوجب إجراءات عملية تضمن احترام القانون الدولي الإنساني، ودعم آليات التحقيق المستقلة، وعدم الإفلات من المساءلة عند ثبوت الانتهاكات. كما أن إنهاء دوامة الحرب يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع حياة المواطنين فوق الحسابات العسكرية الضيقة.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري في البادية الجنوبية يمثل اختباراً جديداً لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون الدولي. فاستمرار الانتهاكات دون محاسبة لا يهدد الضحايا وحدهم، بل يقوض الثقة في منظومة العدالة الدولية، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم يمكن أن تمر بلا عقاب، وهو ما يجعل التحرك العاجل ضرورة إنسانية وقانونية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!