رأي

سلام بلا أفق: حين تعرقل جماعات الهوس الديني الدولة وتربك كل مسارات التسوية في السودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الأزمة مجرد صراع مسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحوّلت إلى اختبار قاسٍ لقدرة الدولة على إنتاج قرار سيادي موحّد. فالسؤال الجوهري الذي يطارد كل مبادرة إقليمية أو دولية هو: من يملك القرار الحقيقي داخل الخرطوم؟ وهل توجد جهة يمكن التفاوض معها بوصفها ممثلاً وطنيًا قادرًا على الالتزام بما يوقّع عليه؟

هذا المأزق برز بوضوح في سياق تحركات الرباعية الدولية، وفي التصريحات التي أدلى بها مسعد بولس لصحيفة «النهار» اللبنانية، حين تحدّث عن هدنة إنسانية بلا شروط، وعن قناعة أميركية راسخة بأن لا حل عسكريًا للحرب. غير أن هذا الإدراك الدولي، مهما بلغ من وضوح، يصطدم بواقع داخلي معقّد تتداخل فيه مراكز القوة، وتتراجع فيه مركزية القرار داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

لقد كثّفت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها الدبلوماسية والإنسانية، وقدّمت دعمًا ماليًا ضخمًا لتخفيف الكارثة التي توصف بأنها من الأكبر عالميًا. غير أن حدود هذا الدور تبدو جلية عندما يغيب الطرف المحلي القادر على اتخاذ قرار سياسي مستقل بوقف الحرب. فالمشكلة لم تعد في غياب الوساطات، بل في غياب بنية سلطة منضبطة يمكن مخاطبتها كشريك تفاوضي حقيقي.

الجيش السوداني، الذي يُقدَّم خارجيًا كطرف رسمي، لا يعمل اليوم كمؤسسة مهنية موحّدة ذات هرم قيادي واضح، بل كمنظومة تتقاطع فيها مصالح سياسية وأيديولوجية وشبكات نفوذ تراكمت عبر عقود. بعد الثورة، بدا أن المؤسسة العسكرية في طريقها إلى إعادة تعريف دورها، لكن الحرب وفّرت فرصة لعودة تيارات منظمة، في مقدمتها جماعات الإسلام السياسي، لإحكام قبضتها على مفاصل حساسة داخل الجيش والدولة.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان بوصفه قائداً مستقلاً بقرار منفصل عن هذه الشبكات، بل باعتباره معبّراً عن رؤيتها السياسية ومصالحها. الخطاب الذي يصدر عنه يعكس إلى حد بعيد وجهة نظر جماعة الإخوان المسلمين والتيارات المتحالفة معها داخل المؤسسة، وهي جماعات ترى في أي انتقال مدني حقيقي تهديدًا مباشرًا لمكاسبها ونفوذها. لذلك، يصبح استمرار الحرب  أو على الأقل إطالة أمدها  أداة لإعادة ترتيب المشهد بما يحفظ لهذه القوى حضورها.

إن جماعات الهوس الديني، التي أعادت تنظيم صفوفها في الظل، تتعامل مع الدولة لا باعتبارها إطارًا جامعًا، بل كأداة أيديولوجية. ومن هذا المنطلق، تُقارب مسألة الهدنة أو وقف إطلاق النار بحسابات تتجاوز البعد الإنساني. فالهدنة ليست مجرد استراحة للمدنيين، بل احتمال لفتح مسار سياسي قد ينتهي إلى مساءلة ومراجعة شاملة لدور هذه الجماعات خلال العقود الماضية. لذلك، يبدو أن أي اقتراب من حل سياسي شامل يقابَل بمقاومة صامتة أو علنية من مراكز نفوذ لا ترى في السلام مصلحة مباشرة لها.

تدرك واشنطن، كما أشار مسعد بولس، أن استمرار الحرب يعني تعميق الانهيار الإنساني وتوسيع دائرة عدم الاستقرار الإقليمي. لكن الإدراك وحده لا يكفي عندما تكون بنية القرار داخل الخرطوم مجزأة. فالتفاوض يفترض وجود طرف يمتلك سلطة تنفيذ ما يُتفق عليه، بينما الواقع يشير إلى أن القرار موزّع بين دوائر نفوذ متداخلة، بعضها عقائدي وبعضها اقتصادي وأمني، ولا يجمعها مشروع وطني جامع بقدر ما يجمعها هاجس البقاء.

يزيد المشهد تعقيدًا البعد الإقليمي. فدول مؤثرة في الإقليم، مثل مصر والسعودية، تنطلق من اعتبارات تتصل بالأمن والمصالح الاستراتيجية. القاهرة ترى في الجيش السوداني ضمانة لبقاء التوازنات القائمة، خاصة في ظل حساسية ملفات إقليمية كبرى، بينما تركّز الرياض على استقرار البحر الأحمر ومنع تحوّل السودان إلى ساحة نفوذ معادية. هذه الحسابات تجعل الأولوية لدى بعض العواصم هي الحفاظ على “المؤسسة” أكثر من إعادة تأسيسها على أسس مدنية ديمقراطية.

في المقابل، فإن أي انفتاح على قوى دولية منافسة  كما ظهر في الحديث عن تعاون أمني مع روسيا  يُستخدم كورقة ضغط في مواجهة الغرب. غير أن هذه المناورات الجيوسياسية لا تقرّب السودان من السلام، بل تجعله أكثر عرضة للاستقطاب، وتحوّل أراضيه إلى ساحة تنافس دولي إضافية.

وسط كل ذلك، يبقى المدنيون العالقين بين جبهات القتال هم الخاسر الأكبر. فالمساعدات الإنسانية، مهما بلغت، لا تعوّض غياب الدولة، ولا تصنع سلامًا في ظل سلطة ترى في الحرب أداة لإعادة إنتاج نفسها. والرباعية الدولية، رغم ما تبذله من جهد، تتعامل مع واقع متحرك تتبدّل فيه موازين القوى الداخلية أسرع مما تتبدّل النصوص الدبلوماسية.

الخلاصة أن غياب أفق السلام في السودان لا يرتبط بندرة المبادرات، بل بخلل عميق في طبيعة السلطة. فحين يتحكم المشهد تيار أيديولوجي مغلق، ويكون رأس الدولة معبّرًا عن رؤيته، تصبح أي تسوية رهينة إرادة لا ترى في الدولة إطارًا مدنيًا جامعًا، بل وسيلة لحماية مشروعها الخاص. وفي ظل هذه المعادلة، ورغم جهود الولايات المتحدة وشركائها، لا يبدو أن سلامًا حقيقيًا يلوح في الأفق ما لم تُستعد الدولة من قبضة جماعات الهوس الديني، ويُعاد تعريف دور الجيش كمؤسسة مهنية خاضعة لإرادة شعبية لا لأجندة تنظيمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!