
مؤيد الأمين
في السياسة السودانية، حين تضيق الزوايا على الإسلامويين، لا يبحثون عن مخرجٍ واحد، بل يحاولون تحويل الجدران كلها إلى أبواب. لكن يبدو أن هذه المرة، الباب الوحيد الذي فتح أمامهم كان باب القائمة الأميركية للإرهاب.
القصة بدأت قبل صدور القرار الأميركي بتصنيف الإسلامويين في السودان كتنظيم إرهابي. قبل يومين ظهرت القيادية في الجماعة، (سناء حمد) على شاشة قناة الجزيرة، وهي تتحدث بنبرة مفعمة بما يشبه “المرونة الدبلوماسية المفاجئة”. جاء ذلك ردًا على سؤال حول تصريح مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال بوضوح إن عودة الإخوان إلى الحكم في السودان “خط أحمر”.
لكن إجابة سناء حمد لم تكن مواجهة سياسية بقدر ما بدت محاولة لفتح نافذة مع واشنطن. قالت إنهم مستعدون للجلوس مع الولايات المتحدة والتفاوض معها، طالما أن الاتفاق سيكون في مصلحة السودان. عبارة تبدو للوهلة الأولى وطنية، لكنها في الحقيقة تشبه كثيرًا ذلك التلميذ الذي يكتشف فجأة فضيلة الاجتهاد بعد إعلان نتائج الرسوب.
غير أن ما حدث بعد ذلك لم يكن فتح باب للحوار كما ربما تمنّت الجماعة، بل جاء القرار الأميركي بتصنيف الإسلامويين في السودان كتنظيم إرهابي. وهنا، كما يبدو، أدركت الجماعة أن أبواب القصر التي حلمت بالعودة إليها قد تحولت فجأة إلى أبواب تحقيق وعقوبات.
ولأن السياسة عند الإسلامويين كثيرًا ما تشبه ألعاب الخفة، كان لا بد من حركة مسرحية جديدة. بعد صدور التصنيف مباشرة خرج قائدهم علي كرتي بتصريح عبقري في بساطته: السودان كله إسلامويون. وكأن الرجل يريد أن يقول لواشنطن: إذا أردتم تصنيفنا إرهابيين، فربما عليكم تصنيف الشعب السوداني كله أيضًا!
تصريح كهذا لم يُحدث صدمة بقدر ما أثار موجة واسعة من السخرية. فالسودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر ضد حكم الإسلامويين، ودفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم وأعمارهم، فوجئوا بأنهم – وفق النظرية الكرتية الجديدة – أعضاء غير مسجلين في جماعة الإخوان.
لكن ما يبدو مضحكًا في الظاهر يخفي أزمة حقيقية داخل الحركة الإسلامية في السودان. فبعد سنوات من الحلم بالعودة إلى السلطة عبر بوابة الحرب والفوضى، جاء التصنيف الأميركي ليضع حجرًا ثقيلًا فوق هذا الحلم. فجأة أصبح الطريق إلى القصر يمر عبر ممرات العقوبات الدولية، لا عبر شعارات “المشروع الحضاري”.
ولهذا نرى هذا التخبط: قبل التصنيف كان هناك خطاب مرن يوحي بالاستعداد للتفاوض مع واشنطن، وبعده ظهر خطاب مختلف يحاول توسيع الدائرة والادعاء بأن السودان كله إسلاموي. مرة لغة براغماتية ناعمة، ومرة أخرى لغة تعبئة توحي بأن الجماعة ما زالت تتحدث باسم الشعب.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما يقوله الإسلامويون، بل ما إذا كانوا قد فهموا الرسالة. هل أدركوا أن الزمن الذي كانوا فيه يتحدثون باسم الدولة قد انتهى؟ أم أنهم ما زالوا يظنون أن السودان مزرعة سياسية يمكنهم توريثها لأنفسهم كلما سنحت فرصة الفوضى؟
الأيام القادمة ستجيب عن هذا السؤال. فإما أن يصلهم اليقين بأن زمن العودة قد مضى بلا رجعة، أو تستمر الحرب على جسد الوطن، لا حبًا في السلطة فحسب، بل حفاظًا على الكروش التي كبرت تحت ظلها، والعروش التي تزينت فوق أنقاض البلاد.




