
إسماعيل هجانة
إذا كان نهر النيل قد مثّل عبر التاريخ عمود الاستقرار في واديه، فقد أصبح اليوم أداة سياسية حادّة، ذات أسنان ورؤوس حربية كامنة، قابلة للانفجار عند أول اختلال في التوازن. ما يجري يتجاوز أي نقاش فني حول سد أو آلية تشغيل؛ إنه صراع نفوذ مكتمل الأركان، تُستَخدم فيه المياه كوسيلة ضغط ضمن معادلات إقليمية أوسع، في سياق ما يمكن تسميته بحروب المياه في الراهن الجيوسياسي، حيث تُدار الموارد الوجودية بمنطق القوة، وتُعاد صياغة الجغرافيا بلغة السياسة.
القضية الأساسية أن ملف النيل لم يعد يُدار بمنطق القانون الدولي وحده، بل بمنطق القوة وتبادل المصالح. حين تتداخل الوساطات مع الضغوط، وتُربط الموارد الوجودية بملفات سياسية وأمنية، يصبح النهر جزءًا من هندسة النفوذ، لا مجرد مسار مائي عابر للحدود.
في هذا السياق، تتعامل القوى الكبرى مع النيل بوصفه ورقة قابلة للتوظيف. الدعم، الضمانات، والمراقبة الدولية تُطرح دائمًا بصيغة “الحماية”، لكنها في جوهرها تمنح الأطراف الخارجية موطئ قدم دائم في قرار سيادي حساس. ما يُقدَّم كحل تقني، يتحول عمليًا إلى آلية تحكم طويل الأمد.
مصر، بحكم موقعها وتاريخها، تدرك أن أمنها المائي لا ينفصل عن أمنها السياسي. لذلك تتحرك في أكثر من اتجاه: تفاوض، تموضع إقليمي، وبناء تحالفات مضادة. غير أن هذا التحرك، مهما كانت مبرراته، يضع المنطقة بأكملها في حالة شدّ مستمر، حيث يصبح كل تقدم لطرف خسارة محتملة لطرف آخر.
إثيوبيا، من جهتها، تسعى إلى تثبيت واقع جديد. إعادة تقديم السد كمشروع طاقة إقليمي ليست خطوة اقتصادية فقط، بل محاولة لإعادة صياغة الرواية السياسية. حين يتحول السد إلى مصدر كهرباء عابر للحدود، يُعاد تعريف الصراع من “من يملك المياه” إلى “من يملك السوق”، وهي نقلة ذكية لكنها محفوفة بالمخاطر.
غير أن أخطر ما في هذه المعادلة هو موقع السودان. الدولة التي يفترض أن تكون شريكًا رئيسيًا في أي ترتيبات مائية، وجدت نفسها خارج الفعل الحقيقي. الحرب الداخلية والانقسام السياسي جعلا السودان مساحة توظيف، لا مركز قرار. تُدار الملفات باسمه، لكن من دون إرادته.
في غياب دولة سودانية موحّدة، تصبح أي ترتيبات حول النيل عرضة لأن تُصاغ وفق مصالح الآخرين. الحقوق المائية، سلامة السدود، الأمن الغذائي، وحتى فرص الطاقة، تتحول إلى بنود تفاوض ثانوية، بينما يُدفع السودان إلى لعب دور العمق الاستراتيجي في صراعات لا يملك أدوات إدارتها.
هذا الوضع لا يهدد السودان وحده، بل يهدد الإقليم بأكمله. حين تُدار الموارد الوجودية بمنطق المقايضة، تتآكل فرص الاستقرار. النزاعات لا تحتاج دائمًا إلى شرارة عسكرية مباشرة؛ يكفي أن تُستخدم المياه ببطء كأداة إنهاك، أو أن تُدار الأزمات بحيث تبقى معلّقة بلا حل نهائي.
في النهاية، سيظل النيل نهر حياة لشعوبه، لكن طريقة إدارته هي التي ستحدد إن كان عامل استقرار أو وقود صراع طويل. استعادة القرار الوطني، خاصة في السودان، لم تعد مسألة سيادة مجردة، بل شرطًا أساسيًا لحماية المستقبل في إقليم تُعاد صياغته بالقوة لا بالاتفاق.
ما تكشفه الحلقتان أن الصراع حول النيل لم يعد سؤالًا تقنيًا عن سد أو جدول تشغيل، بل اختبارًا حقيقيًا لمن يملك القرار ومن يُفرض عليه. المياه هنا لم تعد حيادية، بل أصبحت لغة سياسية تُستخدم لإعادة ترتيب النفوذ، ووسيلة ضغط تُدار بها التوازنات الإقليمية.
في هذا المشهد، تبدو المخاطر أكبر من أن تُختزل في خلاف ثنائي أو ثلاثي. حين تُدار الموارد الوجودية بمنطق المقايضة، يصبح الاستقرار هشًا بطبيعته، وتتحول الجغرافيا إلى ساحة شدّ دائم. السودان، على وجه الخصوص، يقف عند نقطة مفصلية: إما أن يستعيد دولته وقراره ليكون شريكًا كاملًا في أي معادلة قادمة، أو أن يظل ساحة مفتوحة تُدار فوقها الصراعات.
النيل سيبقى نهر حياة، لكن مصيره السياسي لم يعد مضمونًا. الفارق بين أن يكون مصدر استقرار أو وقود صراع طويل يتوقف على قدرة دوله على استعادة القرار الوطني، ووضع حدود واضحة بين التعاون المشروع والضغط القسري. في إقليم يُعاد تشكيله بالقوة، تبقى السيادة الفعلية هي خط الدفاع الأخير عن المستقبل.
إسماعيل هجانة
الحكاية الأعمق من الحرب




