
خضر كوة
منذ أن لبس الهامش السوداني ثوب السودان المستقل، نسي أن وراء هذا الثوب خيوطاً غزلتها أيادٍ خارجية، وأن الاستقلال نفسه لم يكن نابعاً من إرادة داخلية خالصة بقدر ما كان امتداداً لتاريخ طويل من الوصاية والتدخل. فمصر التي ساعدت الأتراك في احتلال السودان، عادت لاحقاً لتكون بوابة البريطانيين إليه، تحت ما سُمّي بالحكم الثنائي “المصري–الإنجليزي”.
لكن الحقيقة أن هذا الحكم لم يكن ثنائياً بالمعنى الفعلي، بل كان استعماراً بريطانياً مغلفاً براية مصرية، استخدمها الإنجليز لتسهيل السيطرة وإخفاء نواياهم. ومع ذلك، ظلت مصر في النهايات صاحبة الصوت الأعلى في تحديد مصير السودان، حين 8مُنحت حق الاختيار بين بقاء السودان تابعاً لها أو منحه استقلالاً صورياً، لتسلم بعد ذلك السلطة إلى “خدام المنازل” — نخب مركزية مرتبطة بالمستعمر، حملت لاحقاً اسم “الجلابة”.
منذ تلك اللحظة، بدأ السودان يعاني من أزمة جغرافية وتاريخية معاً. فهو الدولة الوحيدة تقريباً في إفريقيا التي لم تعرف نفسها بعد:
هل هو بلد عربي؟ أم إفريقي؟ أم آسيوي؟ أم مزيج بلا ملامح؟
وكلما حاول أن يحدد موقعه في خارطة الهويات، جرّته ممارسات نخبه نحو الضياع أكثر فأكثر.
لقد صنع الاستعمار هوية “عروبية” مصطنعة، هدفها فصل السودان عن جذوره الإفريقية، وربطه بمركز عربي وهمي لم يعترف به يوماً كعضو أصيل. وهكذا عاش السودان بعد استقلاله سنة 1956 في أزمة وجودية، لم يعرف من هو، ولا إلى أين يتجه، ولا كيف يدير تنوعه الثقافي والإثني.
واليوم، ونحن نعيش أسوأ مراحل الانهيار الوطني، يطل علينا السؤال القديم ذاته:
هل نعي فعلاً حجم الدمار الذي لحق بالبلد؟
هل ما زلنا نصدق أن هذا “الجيش الإسلامي” الذي يتغنى بالوطنية قادر على إنقاذ السودان، بينما هو نفسه أحد أدوات الخراب؟
لقد اختطف الإسلاميون مؤسسات الدولة لعقود، حوّلوا الجيش إلى ذراع لحماية مصالحهم، وتركوا الهامش فريسة للفقر والحروب والنزوح. أما النخب المدنية التي ادّعت الثورة، فقد عجزت عن كسر الحلقة القديمة، وبقيت تدور في فلك المركز، تستهلك خطابات الحرية والديمقراطية دون مشروع وطني حقيقي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى إعادة تعريف نفسه من الجذور.
يحتاج إلى مشروع “دولة المواطنة” التي تعيد الاعتبار لكل الأقاليم، وتحرر الوعي من أسر الهويات الزائفة التي زرعها الاستعمار، وتستبدلها بهوية سياسية–ثقافية تقوم على المساواة، لا على اللون أو اللغة أو الجهة.
إنّ خلاص السودان لن يأتي من “أصوات الكيزان” ولا من “آكلي فتاتهم”، بل من وعي جديد يولد من الهامش نفسه، ويمتلك شجاعة السؤال:
من نحن؟
ولماذا فشلنا؟وكيف نصنع سوداناً يعرف ذاته قبل أن يعرفه العالم.




