
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في لقائها على الجزيرة مع أحمد طه، قالت سناء حمد بوضوح: لن نفصل الدين عن السياسة. وأضافت أن الإسلاميين أجروا مراجعات مفيدة.
التصريح بدا حاسماً وواثقاً. لكن السؤال الذي لم يُطرح لم يكن هل تفصلون الدين عن السياسة. بل ماذا فعلتم بالدين عندما حكمتم باسمه. وماذا فعلتم بالدولة عندما حكمتم باسمه أيضاً.
والأهم من ذلك. من الذي خوّف السودانيين أصلاً من مناقشة هذه المسألة.
أولاً: كيف تحوّل نقد الحركة إلى مساس بالعقيدة
منذ انقلاب 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة، وتحت التنظير الفكري للحركة الإسلامية، لم يكن المشروع مجرد برنامج سياسي. كان بناءً كاملاً للهيمنة الرمزية.
رُسخت في وعي المجتمع معادلة خطيرة. إذا انتقدت الحركة فأنت تهاجم الشريعة. إذا عارضت المشروع الحضاري فأنت ضد الدين. إذا طالبت بالمحاسبة فأنت تطعن في الإسلام.
وهكذا انتقل الخلاف من ساحة السياسة إلى ساحة العقيدة. وتحول النقد إلى مخاطرة أخلاقية.
الخوف لم يكن أثرًا جانبياً. كان أداة حكم.
خوف الموظف من الفصل.
خوف الصحفي من الاعتقال.
خوف المواطن من الوصم.
وخوف المتدين البسيط من أن يُتّهم بأنه يعادي دينه إذا طالب بمساءلة سلطة سياسية.
هذه الهندسة النفسية كانت أخطر من أي قانون.
ثانياً: ثلاثون عاماً… ماذا كانت النتيجة
بعد ثلاثة عقود من حكم يرفع راية الشريعة، كانت النتيجة واضحة. انقسام الوطن، انهيار الاقتصاد، تمدد الفساد في مفاصل الدولة، تسييس الخدمة المدنية، واختلاط المال العام بالمشروع الحزبي.
أمثلة واقعية
في عام 2010، تم تعيين عدد من مديري الوزارات والمصالح الحكومية بناءً على الانتماء الحزبي وليس الكفاءة، ما أدى إلى تعطيل المشاريع الأساسية مثل الكهرباء والمياه في الخرطوم ومدن أخرى.
خلال إدارة بنك السودان المركزي، تم دعم مشاريع محددة مرتبطة بأشخاص مقربين من الحزب، بينما تعطلت برامج دعم القطاع الخاص والصناعات الصغيرة.
السؤال هنا ليس عدائياً. السؤال وجودي. إذا كانت الفكرة عظيمة كما يُقال، فلماذا انتهت التجربة بهذا الحجم من الانهيار. هل المشكلة في الشعب. أم في نموذج حصّن نفسه بالمقدس ومنع مساءلته.
ثالثاً: المراجعات… أم إعادة تموضع
عندما يُقال إن مراجعات مفيدة قد أُجريت، فإن المراجعة السياسية ليست عبارة مطمئنة تُلقى في الهواء.
تفكيك المراجعات
بعض المراجعات كانت فقهيّة داخلية لمناقشة تطبيق الشريعة، ولم تمس استخدام الدين كأداة سلطة.
البعض الآخر كان إعلامياً، أي مجرد بيان يطمئن الرأي العام دون مساءلة مسؤولة.
لم تجرَ محاسبة لأي قيادي تورط في القرارات الاقتصادية أو الأمنية أو فساد التعيينات.
المراجعة الحقيقية تعني اعترافاً واضحاً بأن استخدام الدين في الصراع السياسي كان خطأ. تعني اعتذاراً صريحاً للشعب. تعني تحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتورطين في الفساد والقمع، وتفكيك البنية التي ربطت الولاء الحزبي بالشرعية الدينية.
بدون ذلك، تصبح كلمة مراجعة مجرد إعادة تموضع سياسي.
رابعاً: ماذا لو سمّى الحزب الشيوعي نفسه “الحزب الشيوعي الإسلامي السوداني”
لنفترض جدلاً أن حزباً علمانياً أضاف إلى اسمه كلمة الإسلامي، وأصبح اسمه الحزب الشيوعي الإسلامي السوداني. هل سيصبح ممثلاً للدين. هل تكتسب قراراته حصانة أخلاقية. هل يتحول نقده إلى مساس بالعقيدة.
بالطبع لا.
لأننا نعرف أن الأحزاب كيانات بشرية مهما كان اسمها. لكن لماذا يختلف الشعور عندما يتعلق الأمر بحزب يحمل صفة إسلامي.
التسمية لا تغيّر الطبيعة القانونية للحزب. هو تنظيم سياسي يسعى للسلطة، ينافس، يتحالف، يخطئ ويصيب. لكن إدخال الدين في الاسم يصنع انتقالاً نفسياً خفياً. من حزب سياسي إلى حامل لواء مقدس.
وهنا تُبنى منطقة صامتة من النقد. ليس لأن الحزب معصوم، بل لأن الاسم رفعه في الوعي الجمعي فوق المساءلة العادية.
خامساً: “فلان اشتغل معانا”… متى أصبحت الدولة ملكاً لحزب
في النقاشات العامة، يُقال كثيراً. فلان اشتغل معانا. وهنا يتجسد السؤال الذي لا يُسأل. هل العمل داخل دواوين الدولة يعني العمل لدى حزب.
متى تم اختزال الدولة السودانية لتصبح ملكية تنظيم سياسي. ومتى صار الموظف العام موظفاً عند الحركة لا عند الشعب.
الموظف الذي عمل في وزارة أو سفارة أو مؤسسة حكومية خلال ثلاثين عاماً لم يكن يعمل لدى تنظيم. كان يعمل، نظرياً، لدى الدولة السودانية.
لكن عندما تُطبق سياسة التمكين، يحدث انزلاق خطير. الحزب يسيطر على المؤسسات. المؤسسات تُدار بولاء حزبي. ثم يُعاد تعريف الدولة باعتبارها مشروعنا. وبمرور الزمن، يصبح من عمل في الدولة محسوباً على الحزب، حتى لو لم يكن عضواً فيه.
وهنا لا يكون الحزب قد حكم الدولة فقط، بل ابتلعها.
سادساً: هل تم احتكار الدولة؟ وهل تم احتكار الدين
عندما يصبح التوظيف والترقي والبقاء في المنصب مرتبطاً بالانتماء، تتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى ذراع حزبي. وعندما يُقال نحن المشروع الإسلامي، نحن المدافعون عن الشريعة، فإن الرسالة الضمنية هي أن من ليس معنا فليس ضمن هذا المشروع.
هنا يلتقي احتكار الدولة باحتكار الدين. الدولة تُختزل في الحزب، والدين يُختزل في التنظيم.
سابعاً: تحرير الخوف
السوداني الذي صمت خوفاً من أن يُتّهم بالطعن في الدين يحتاج أن يسمع هذه الحقيقة بوضوح. انتقاد الحركة الإسلامية ليس انتقاداً للإسلام. مساءلة تجربة حكم ليست عداءً للعقيدة.
الأحزاب تُحاسَب. والدين يُوقَّر. الدولة ملك للشعب. والدين ملك للأمة. ولا حزب، أي حزب، يملك حق احتكارهما.
السؤال الذي لم يُطرح
هل أنتم مستعدون لفصل قداسة الدين عن حصانة الحزب. هل تقبلون أن تُحاسَبوا كحركة سياسية لا كمرجعية مقدسة. هل تقبلون بدولة يكون فيها القرار اجتهاداً بشرياً لا غطاءً عقدياً.
هذا هو جوهر المسألة.
الخلاصة
المطالبة بفصل الدين عن الصراع الحزبي ليست حرباً على الدين، بل حماية له من أن يتحمل وزر فشل السياسيين. الدين قيمة عليا، والسياسة عمل بشري قابل للخطأ.
وتجربة العقود الماضية علمتنا شيئاً واضحاً. عندما يقترن المقدس بالسلطة، يولد الخوف. والخوف لا يبني دولة.




