رأي

العقل الفاسد حين يصنع الوهم ويُهندس الخراب

ابو عبدالله الراشدي

 

ابوعبدالله الراشدي 

يمثّل الخطاب الذي تدفع به الحركة الإسلامية في سياق الحرب الحالية محاولة مكشوفة لإعادة تدوير ذاتها داخل مشهدٍ صنعته بيدها، عبر تحويل المأساة الوطنية إلى ساحةٍ لإنتاج بطولاتٍ مزيفة وشعاراتٍ جوفاء. فالحرب التي أشعلتها هذه الحركة لا تبدو لها مجرد صراعٍ سياسي أو عسكري، بل تتحول في خطابها إلى قيمة أخلاقية مزعومة، وإلى امتحانٍ متخيّلٍ لـ”الكرامة”، في حين أن الوقائع على الأرض تقول إن الشعب هو وحده من يدفع ثمن هذا العبث. وفي قلب هذه العملية يقع جوهر التزييف الذي تتبناه الحركة، إذ تحاول منح نفسها قداسةً أخلاقية بينما تتجرد أفعالها من أي بعدٍ إنساني. وكما قال أبو عبد الله الراشدي: “من ضلّ طريق الحق، جعل من سرابه يقينًا.”

إن الشعار الذي تروّج له الحركة اليوم، وهو شعار “الكرامة”، ليس سوى محاولة لتحميل الحرب معنى لا ينتمي إليها، بل يُنتزع منها قسرًا ليُعاد توظيفه سياسيًا ودعائيًا. فالكرامة مفهوم إنساني عميق يتصل بحق الفرد في أن يُعامل باحترام، وأن يُكفل له العيش الكريم بعيدًا عن الإذلال والقهر. لكن حين ينتزع هذا المفهوم من جذوره ويُعاد تكوينه داخل ماكينة خطابية قائمة على الإقصاء وتزييف الوعي، فإنه يفقد معناه بالكامل، ويتحول إلى لافتة فوق خراب.

ولأن الحركة الإسلامية تدرك حجم الانهيار الأخلاقي الذي وصلت إليه، فهي تلجأ إلى عملية خلط مقصودة بين البطولة والمأساة، بين الشرف والجريمة، وبين الدفاع والوهم. وبهذا التشويش القيمي تتخفى الحقيقة: الحركة ليست فاعلًا أخلاقيًا يحرس قيم الوطن، بل طرفًا جوهريًا في صناعة الكارثة. فالعقل الذي يقف خلف هذا الخطاب ليس عقلًا نقديًا أو وطنيًا، بل عقلٌ فاسدٌ يعمل داخل بنية زائفة، يستبدل الحقائق بالشعارات، ويقدّم الوهم على أنه مصير مقدس.

العقل الفاسد، كما يمكن تعريفه، ليس هو العقل الذي يخطئ في المعلومة أو يحيد في التحليل، بل هو العقل الذي يتعمد تأسيس تفكيره على الكذب والتزييف. هو عقل يُعيد صياغة الواقع بحيث تصبح الحرب كرامة، والاستبداد نظامًا، والفساد تمكينًا، والولاء إيمانًا. فالتشويه هنا ليس في خيار سياسي أو قراءة خاطئة للأحداث، بل في البنية العميقة التي تنظّم عملية التفكير نفسها، والتي تجعل من الباطل طريقًا، ومن الظلم منطقًا. وكما قال أبو عبد الله الراشدي: “إذا فسد العقل، استقام الباطل في عيني صاحبه.”

وما يزيد خطورة هذا العقل أنه لا يرى الإنسان كغاية، بل كوسيلة تُستخدم ما دام الاستخدام ممكنًا، وتُنبذ حين تنتهي فائدتها. الكرامة هنا ليست قيمة تُبنى، بل غطاء يُستخدم لتبرير الحرب. الحرية ليست هدفًا، بل مادة للتلاعب. وحتى الوطن نفسه يتحول إلى شعار يُرفع على منصات الخطابة بينما يتم تهشيمه على الأرض.

وحين يفقد الإنسان القدرة على الشعور بالذنب، وعلى التمييز بين الخير والشر، لا يعود الفساد مجرد خلل في السلوك، بل يتحول إلى بنية ذهنية كاملة تُنتج مزيدًا من الفساد. هنا يصبح العقل ذاته أداةً لإدامة الخراب. فالشر حين يجد من يبرّره، يتكاثر. والباطل حين يجد من يُجمّله، يتجذر.

إن تفكيك هذا الخطاب ضرورة لا تنبع من خصومة سياسية، بل من واجب أخلاقي. لأن الحرب ليست قيمة، بل مأساة. والكرامة ليست شعارًا، بل ممارسة. والوطن ليس ساحةً لتجارب الأيديولوجيا، بل بيتٌ للناس الذين يريدون حياة بلا قهر. وفي مواجهة العقل الفاسد، لا بد من عقلٍ مبصر يرى الإنسان قبل الشعار، والحقيقة قبل الدعاية، والمستقبل قبل الوهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!