
الطيب رحمه قريمان
خرج المستعمر البريطاني من السودان، بحدوده الدولية المعروفة قبل انفصال جنوب السودان، دون أن يواجه مقاومة سياسية أو عسكرية حقيقية من القوى التي آلت إليها السلطة بعد الاستقلال. ولم يكن ذلك الخروج ثمرة مشروع وطني متكامل قادته نخبة ذات رؤية لبناء دولة حديثة، وإنما جاء في سياق ترتيبات سياسية أفضت إلى انتقال السلطة إلى مجموعة محددة من أبناء السودان، تولت إدارة الدولة الوليدة وفق معادلات ظلت موضع جدل واسع حتى اليوم.
وإذا كان وصف “النخبة” يطلق على تلك المجموعة، فإن ذلك الوصف يبقى محل تساؤل، لأن النخبة في مفهومها الحقيقي هي التي تؤسس لمشروع وطني جامع، وتبني مؤسسات الدولة على أساس العدالة والمواطنة والمساواة، بينما تكشف تجربة السودان بعد الاستقلال عن مسار مختلف تماماً، حيث انحصرت السلطة والثروة في أيدي فئة محدودة، وأُقصيت غالبية السودانيين من المشاركة الفعلية في إدارة شؤون بلادهم.
ويرى كثيرون أن العلاقة التي ربطت الحكام الجدد بالمستعمر السابق لم تنقطع بخروج الإدارة البريطانية، وإنما استمرت عبر أشكال مختلفة من الارتباط السياسي والاقتصادي، الأمر الذي جعل القرار الوطني أسيراً لتوازنات خارجية أكثر من استجابته لأولويات الداخل السوداني. وسواء كان ذلك نتيجة اتفاقات مكتوبة أو تفاهمات غير معلنة، فإن الوقائع التي تلت الاستقلال توحي بأن الدولة الجديدة لم تنجح في التحرر الكامل من آثار الاستعمار ولا من بنيته الإدارية والسياسية.
وفي المقابل، لم تستثمر الحكومات المتعاقبة الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها السودان، سواء في الأراضي الزراعية الخصبة أو الثروات الحيوانية أو الموارد المعدنية أو الموقع الجغرافي المتميز، لبناء اقتصاد وطني قوي يحقق التنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم. بل اتجهت السياسات العامة إلى تركيز الثروة في يد قلة نافذة، بينما ظلت مناطق واسعة من البلاد تعاني التهميش وغياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وأدى هذا النهج إلى تعميق الفوارق بين المركز والهامش، وإلى ترسيخ شعور قطاعات كبيرة من السودانيين بأنها خارج معادلة السلطة والثروة. ولم يعد الانتماء إلى الدولة يمثل لجميع المواطنين قيمة متساوية، بعدما شعر كثيرون بأنهم يعيشون في وطن لا يمنحهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها غيرهم، الأمر الذي ساهم في تصاعد الاحتجاجات والنزاعات المسلحة واتساع دائرة عدم الاستقرار.
لقد تحولت الدولة، في نظر منتقدي تجربة ما بعد الاستقلال، إلى وسيلة لحماية مصالح فئة بعينها، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً لكل السودانيين. ومع مرور العقود، تراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى وصلت البلاد إلى حالة من الانقسام والصراعات المتواصلة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أخفقت دولة 56 منذ بدايتها في تأسيس مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع السوداني وتحقيق العدالة بين جميع أبنائه؟ هذا السؤال سيكون محور هذه السلسلة التي تحاول قراءة جذور الأزمة السودانية ومساراتها منذ الاستقلال وحتى اليوم.




