رأي

الرباعية وضغوطها على البرهان: هل تقترب لحظة الحسم السياسي في السودان؟

محمد حسين

 

 المستشار محمد حسين

أعلن المبعوث الأميركي مسعد بولس عن اكتمال إعداد خطة سلام رباعية يُنتظر عرضها قريباً على مجلس الأمن الدولي لمنحها صفة دولية ملزمة، في خطوة تعكس تصاعد الحراك الدبلوماسي بشأن الأزمة السودانية التي تدخل عامها الرابع وسط تعقيدات ميدانية وإنسانية متزايدة. ويأتي هذا التحرك في وقت تتكثف فيه الجهود الدولية، بقيادة الولايات المتحدة وبالتنسيق مع شركاء إقليميين من بينهم السعودية، للدفع نحو هدنة إنسانية فورية وشاملة تتيح إيصال المساعدات وتحمي المدنيين وتفتح الباب أمام عملية سياسية جادة.

المؤشرات الحالية توحي بوجود ضغوط دولية حقيقية لإقرار وقف إطلاق نار شامل، ولو في مرحلته الأولى تحت مسمى هدنة إنسانية، على أن يشكل ذلك مدخلاً لمسار سياسي أكثر اتساعاً. وقد أعلنت قوات الدعم السريع وحكومة “تأسيس” ترحيبهما بالمبادرة وموافقتهما عليها في بيانات رسمية، فيما أكد رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو تمسكه بخيار السلام ومعالجة جذور الأزمة السودانية الممتدة منذ الاستقلال، مع التشديد على تأمين وصول المساعدات الإنسانية وفتح ممرات آمنة مثل معبر أدري، باعتبارها خطوات تعكس جدية الانخراط في مسار يخفف معاناة المدنيين.

في المقابل، تظل العقبات السياسية والأمنية ماثلة أمام أي تقدم حقيقي. فحالة انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة، وتباين الرؤى حول طبيعة المرحلة الانتقالية وترتيبات السلطة، تزيد من تعقيد المشهد. كما تتصاعد الاتهامات المتعلقة بانتهاكات جسيمة، بما في ذلك مزاعم استخدام أسلحة محظورة وارتكاب جرائم ضد المدنيين، وهي ملفات باتت محل اهتمام ومتابعة من جهات دولية تدعو إلى تحقيقات مستقلة وشفافة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

وتتصاعد في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية دعوات لتوسيع نطاق العقوبات لتشمل قيادات وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، عبر حظر السفر وتجميد الأصول وفرض قيود على الجهات المتهمة بتوفير السلاح أو الدعم اللوجستي لأطراف النزاع. كما تتزايد المطالب بتفعيل آليات العدالة الدولية، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو من خلال لجان تحقيق مختصة، في إطار السعي لعدم الإفلات من العقاب وترسيخ مبدأ المساءلة كجزء من أي تسوية قادمة.

غير أن العقوبات وحدها لا تصنع سلاماً، بل تشكل أداة ضغط سياسي تهدف إلى تعديل السلوك ودفع الأطراف نحو طاولة التفاوض. السلام الحقيقي يظل رهيناً بإرادة داخلية توازن بين الواقعية السياسية واستحقاقات العدالة، وتضع مصلحة السودان فوق حسابات الصراع. فالهدنة الإنسانية، إن تحققت، ينبغي أن تكون خطوة تأسيسية لعملية سياسية متدرجة، بضمانات إقليمية ودولية، تنطلق من حماية المدنيين ووحدة البلاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

يبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستنجح الرباعية في تحويل خطتها إلى إطار دولي ملزم يوقف نزيف الحرب، أم أن تعقيدات الداخل السوداني وتضارب المصالح سيبقيان مبادرات السلام رهينة التجاذبات؟ الإجابة تتوقف على مدى استعداد القوى السودانية لتغليب لغة السياسة على صوت السلاح، والانخراط بجدية في مسار ينهي واحدة من أعقد أزمات السودان المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!