
أدهم الضهيب
مع صدور قرار تعيين وزيرٍ للتعليم العالي في حكومة السلام الانتقالية، تبددت كثير من الشكوك، واتضحت ملامح مشروع سياسي وتنفيذي يمضي بثبات نحو ترسيخ مؤسسات الدولة وبناء ركائز المستقبل. فقد حمل القرار دلالات تتجاوز مجرد شغل منصب وزاري، ليؤكد أن حكومة السلام لا تدير الواقع بردود الأفعال، وإنما تتحرك وفق رؤية متكاملة تضع الإنسان السوداني وحقوقه الأساسية في مقدمة الأولويات.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه هو حجم الارتباك الذي صاحب هذه الخطوة في معسكرات القوى الرافضة للتغيير، حيث تعالت الأصوات والبيانات المنددة بمجرد الإعلان عن استئناف العملية التعليمية وقيام امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق واسعة من البلاد. غير أن تلك الحملات لم تستطع إخفاء حقيقة أن التعليم ظل واحداً من أكبر ضحايا الحرب والسياسات الإقصائية التي عانى منها ملايين الطلاب خلال العقود الماضية.
لقد فتح رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي من خلال هذه الخطوة باباً جديداً للأمل أمام الأسر السودانية التي ظلت تنظر إلى التعليم باعتباره الطريق الأكثر أمناً نحو المستقبل. فالتعليم ليس مجرد خدمة حكومية عادية، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان، وأداة رئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والاستقرار.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة لطلاب دارفور وكردفان والمناطق التي عانت طويلاً من التهميش والإقصاء. فقد واجهت أجيال متعاقبة عقبات كبيرة في سبيل الحصول على فرص تعليمية عادلة، وظلت الحرب والصراعات والسياسات التمييزية تحرم آلاف الطلاب من مواصلة مسيرتهم الأكاديمية. واليوم تبدو الصورة مختلفة، مع وجود إرادة سياسية واضحة تسعى إلى إعادة بناء قطاع التعليم على أسس المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
إن نجاح امتحانات الشهادة الثانوية في ظل ظروف الحرب يمثل رسالة قوية بأن إرادة الحياة أقوى من محاولات التعطيل، وأن الشعوب التي تتمسك بحقها في التعليم قادرة على صناعة مستقبلها مهما كانت التحديات. كما أنه يعكس حجم الجهود التي بذلتها المؤسسات التعليمية والإدارات المدنية والمعلمون وأسر الطلاب من أجل حماية هذا الحق وصونه.
ويأتي ذلك متزامناً مع مواقف دولية داعمة أكدت بصورة واضحة أن التعليم حق لا يجوز مصادرته أو تسييسه. فقد شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” على حق جميع الطلاب السودانيين في مواصلة تعليمهم أينما كانوا، وهو موقف يعزز مشروعية الجهود الرامية إلى إعادة الحياة للمؤسسات التعليمية وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة.
إن تعيين وزير للتعليم العالي لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب العمل على إعادة تشغيل الجامعات وتوسيع فرص التعليم وتوفير المنح الدراسية وبناء شراكات أكاديمية إقليمية ودولية تعيد للسودان مكانته العلمية المعروفة.
وفي المحصلة، فإن هذه الخطوة تضاف إلى سلسلة من الإجراءات التي تؤكد أن حكومة السلام اختارت الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للوطن. فحين يُحمى حق الطلاب في التعليم، وحين تُفتح أبواب الجامعات أمام الشباب، فإن الأمل يصبح مشروعاً عملياً لا مجرد شعار سياسي. ولذلك يمكن القول إن قطار التغيير قد غادر المحطة بالفعل، حاملاً معه بشائر مرحلة جديدة عنوانها المعرفة والعدالة وبناء المستقبل.




