
نجم الدين دريسة
لطالما شكّل الجيش السوداني حجر الزاوية في الصراعات على السلطة، لكنه لم يكن يومًا قوة وطنية مستقلة. منذ اتفاق الجبهة الوطنية مع الرئيس جعفر نميري، مرّ الجيش بفترات اختراق متعمد من قبل الإسلامويين، الذين سخروا المؤسسة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية ضيقة. الانقلاب العسكري المشؤوم في عام 1989 لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد قادت الحركة الإسلامية إلى زرع ولاءات سياسية عميقة داخل صفوف الجيش، بحيث أصبح التنفيذ العسكري لأجندتها مضمونًا ومؤكدًا مسبقًا.
الواقع التاريخي للجيش السوداني يكشف أن المؤسسة العسكرية لم تكن يومًا جيش الشعب. شهادات قيادية داخل الحركة الإسلامية تؤكد أن السيطرة على الجيش كانت هدفًا رئيسيًا لتثبيت النفوذ، بحيث لم يعد الجيش قوة تحمي الدولة أو الشعب، بل أصبح أداة لإخضاع المؤسسات المدنية وضمان ولاء كامل للنظام الحاكم. الكلية الحربية، التي يفترض أن تكون منارة لتكوين ضباط مهنيين ومستقلين، تحولت إلى مركز لتكريس الولاءات السياسية، وهو ما شوه طبيعة الجيش وجعله بعيدًا عن الهوية الوطنية.
منذ عام 1990، استمر الجيش في أداء هذا الدور كأداة للسيطرة على الدولة، وعزز من قدرة الجماعة على فرض سيطرتها على كل مفاصل الحياة السياسية والمدنية. خلال ثلاثة عقود، ظل الجيش يُستخدم لضمان استمرار النظام الإسلامي في الحكم، وتطويع مؤسسات الدولة لخدمة أهداف سياسية محددة، بدلاً من الدفاع عن الشعب وحماية سيادة الدولة. هذه الوقائع تجعل أي حديث عن استقلالية الجيش مجرد وهم، فالجيش تاريخيًا وجغرافيًا مرتبط بالكيزان، وليس بمصالح الوطن.
الاختراق العميق الذي شهدته المؤسسة العسكرية لم يقتصر على القيادات العليا أو النخبة، بل شمل الكلية الحربية وكل الهيئات الفرعية داخل الجيش. هذا التغلغل أسفر عن ولاءات شخصية وسياسية تتفوق على الولاء الوطني، وجعل الجيش أداة تنفيذية لأي مشروع سياسي تخدمه جماعة بعينها. أي محاولة للتقليل من هذه الحقيقة التاريخية أو تجاهلها تهدد بشكل مباشر كل الجهود الرامية لإعادة استقرار الدولة، وتجعل أي مشروع لإصلاح أو توجيه الجيش معرضًا للفشل.
في ظل هذا الواقع التاريخي المؤلم، يصبح الحديث عن بناء جيش جديد ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. الجيش الجديد لا يمكن أن يُبنى على قواعد الولاءات السياسية الضيقة أو الإيديولوجيات الأحادية. يجب أن يكون جيشًا متفقًا ومتراضٍ عليه من كل القوى الوطنية والمدنية والسياسية في السودان، بحيث يمثل قوة وطنية جامعة لا تتبع أي جماعة أو تنظيم محدد. هذا الجيش سيكون أداة لحماية الدولة والشعب، وليس أداة لإخضاعهما أو فرض سيطرة سياسية أحادية.
بناء الجيش الجديد يتطلب وضع أسس واضحة للولاء الوطني، بحيث يكون الضابط والجندي ملتزمين بمبادئ الدولة والقانون والدستور، لا ولاء لأي فصيل سياسي أو جماعة. يجب تأسيس ثقافة عسكرية جديدة، قائمة على النزاهة والمهنية والحياد، حيث يكون التدريب العسكري والتعليم العسكري جزءًا من بناء شخصية وطنية، وليس مجرد أداة لغرس الولاءات السياسية. الجيش الجديد سيكون ضامنًا لوحدة السودان، وليس أداة لتجزئته أو فرض الهيمنة على مناطقه.
كما يجب أن يتضمن تأسيس الجيش الجديد آليات للمساءلة والمراقبة المدنية، بحيث تكون المؤسسة العسكرية تحت إشراف مدني مباشر، يضمن احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. هذه الخطوة ضرورية لكسر حلقة الانتهاكات والتجاوزات التي رافقت الجيش القديم، ولمنع تكرار أي اختطاف سياسي للمؤسسة العسكرية. الجيش الجديد يجب أن يُبنى على أساس شفاف وواضح، بحيث يعرف الجميع دوره ومهمته وحدوده، بعيدًا عن الغموض أو التلاعب السياسي.
الجيش الجديد لن يكون مجرد قوة قتالية، بل سيكون مؤسسة وطنية متماسكة تمثل حماية السيادة والمصلحة الوطنية. يجب أن يكون متنوعًا وشاملًا، بحيث يعكس كل مكونات المجتمع السوداني، ويضمن التمثيل العادل للأطراف المختلفة، دون التحيز لأي جماعة أو فصيل. هذه الخطوة ستكون أساسية لإنهاء فكرة الجيش كأداة للسيطرة على الدولة، وتحويله إلى قوة جامعة تعزز الاستقرار وتعطي الشعب الثقة في مؤسسات الدولة.
الاستفادة من التجارب التاريخية للجيش القديم ضرورة حتمية، لكن دون تكرار أخطائه. فالجيش الجديد يجب أن يضع معايير واضحة للانضباط والالتزام بالهوية الوطنية، بعيدًا عن أي ولاءات سياسية، بحيث تكون المؤسسة العسكرية هي الضامن الفعلي للدولة، لا أداة لإعادة إنتاج الانقسامات والصراعات. أي مشروع لبناء الجيش الجديد يعتمد على الشفافية والمشاركة الوطنية سيضمن تقوية أركان الدولة وخلق بيئة مستقرة لمستقبل السودان.
في هذا السياق، يجب الاعتراف بأن الجيش القديم كان سببًا رئيسيًا في تعطيل مسار الدولة الديمقراطية، وكان أداة لتثبيت سلطة جماعة محددة على حساب الشعب. بناء جيش جديد متفق عليه يمثل فرصة لإعادة تأسيس مؤسسات الدولة على أسس وطنية صلبة، تعكس مصالح جميع السودانيين، وتمنحهم الثقة في قدرتهم على حماية مستقبلهم، بدل أن يكون الجيش أداة لقمعهم أو إخضاعهم.
الخطوة الأولى نحو الجيش الجديد هي إعادة النظر في كل البنى الإدارية والتعليمية داخل المؤسسة العسكرية، بحيث يتم فصل التدريب العسكري عن أي تأثير سياسي أو أيديولوجي. يجب تأسيس أكاديمية عسكرية جديدة، تدرب ضباطًا ملتزمين بالدستور وبمبادئ الدولة، لا بالولاءات الحزبية أو الجماعية. كما يجب أن تتضمن استراتيجيات بناء الجيش الجديد تطوير نظم الشهادات العسكرية، ووضع آليات صارمة لمنع أي اختراق سياسي أو تزوير للهوية الوطنية للمؤسسة العسكرية.
الجيش الجديد يجب أن يكون أيضًا قادرًا على تمثيل السودان داخليًا وخارجيًا كقوة محترفة، تحمي السيادة الوطنية وتعمل على ضمان أمن المواطنين، بعيدًا عن أي دور سياسي ضيق. المؤسسة العسكرية في هذا الشكل ستكون قوة متماسكة، متفق عليها، ومتوافق معها كل الأطراف الوطنية، بحيث يمكن أن تصبح رمزا للوحدة الوطنية والولاء للدولة والشعب، وليس أداة لفرض إرادة فصيل واحد على الجميع.
في نهاية المطاف، يظهر التاريخ أن الجيش السوداني، منذ تأسيسه وحتى اليوم، لم يكن يومًا جيشًا مستقلًا يعكس إرادة الشعب، بل أداة سياسية تخدم مصالح جماعة محددة. بناء جيش جديد متفق عليه ومتوافق مع كل القوى الوطنية هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل آمن ومستقر للسودان. هذه المؤسسة الجديدة ستعيد القوة للدولة، وتضع حدًا لاختطاف الجيش لصالح مصالح ضيقة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية الوطنية.
إن أي مشروع سياسي أو مدني لن ينجح ما لم يُبنى الجيش على أسس وطنية حقيقية، تعكس إرادة الشعب وتضمن حياد المؤسسة العسكرية. الجيش الجديد، عندما يُؤسس بشكل صحيح، سيصبح الضامن الحقيقي للسيادة، والراعي الحي للمصالح الوطنية، والمستفيد الأكبر من توافق جميع السودانيين على قيم العدالة والمهنية والوطنية.




