حِينَ يَتَكَلَّمُ الوَطَنُ مِنْ فَمِ رَجُلٍ وَاحِدٍ سَرْدِيَّةُ السُّودَانِ فِي صَوْتِ الأُستاذ حَامِدٍ عَلِي نُور

حِينَ يَتَكَلَّمُ الوَطَنُ مِنْ فَمِ رَجُلٍ وَاحِدٍ سَرْدِيَّةُ السُّودَانِ فِي صَوْتِ الأُستاذ حَامِدٍ عَلِي نُور
احمد التجانى ابوبكر فضل
المُقَدِّمَةُ
فِي زَمَنٍ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الذَّاكِرَةُ مَعَ الجُرْحِ، وَتَتَشَابَكُ فِيهِ السِّيَاسَةُ مَعَ الإِنْسَانِ، يَخْرُجُ صَوْتٌ سُودَانِيٌّ حَمَلَتْهُ التَّجَارِبُ مِنَ الفَاشِرِ إِلَى الخُرْطُومِ، وَمِنْ صُوفِيَا إِلَى هُولَنْدَا، لِيَحْكِيَ مَا عَاشَهُ وَمَا رَآهُ وَمَا فَهِمَهُ مِنْ تَارِيخِ وَطَنٍ ظَلَّ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ مُنْذُ لَحْظَةِ اسْتِقْلَالِهِ.
هٰذَا الحِوَارُ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِسِيرَةِ رَجُلٍ، بَلْ هُوَ نَافِذَةٌ عَلَى تَارِيخِ السُّودَانِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ، وَعَلَى أَزْمَاتِ الهَامِشِ، وَعَلَى فَشَلِ النُّخْبَةِ، وَعَلَى الحُرُوبِ الَّتِي لَمْ تَتَوَقَّفْ مُنْذُ عَامِ 1956.
هُنَا يَتَحَدَّثُ حَامِدٌ عَلِي نُور، ابْنُ الفَاشِرِ، ابْنُ التَّجْرِبَةِ، ابْنُ الوَعْيِ الَّذِي صَاغَتْهُ النَّارُ وَالرِّحْلَةُ وَالقِرَاءَةُ.
المَتْنُ
الفَاشِرُ… المَدِينَةُ الَّتِي تَصْنَعُ الوِجْدَانَ
يَبْدَأُ حَامِدٌ حَدِيثَهُ مِنْ جَذْرِهِ الأَوَّلِ:
“وُلِدْتُ وَنَشَأْتُ وَتَرَبَّيْتُ فِي مَدِينَةِ الفَاشِرِ… وَبِالتَّالِي لِي عِشْقٌ خَاصٌّ لِهٰذِهِ المَدِينَةِ.”
الفَاشِرُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ، بَلْ ذَاكِرَةٌ مُمتَدَّةٌ، وَجُرْحٌ مَفْتُوحٌ، وَمِرْآةٌ تَعْكِسُ تَارِيخَ السُّودَانِ الاجْتِمَاعِيَّ. هُنَاكَ تَشَكَّلَ وَعْيُهُ الأَوَّلُ، قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى جَامِعَةِ الخُرْطُومِ فِي نِهَايَاتِ السِّتِّينِيَّاتِ، فِي زَمَنٍ كَانَ السُّودَانُ يَغْلِي بِالخِلَافَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالانْقِلَابَاتِ.
جَامِعَةُ الخُرْطُومِ… حِينَ يَبْتَلِعُ العَمَلُ السِّيَاسِيُّ الطَّالِبَ
يَحْكِي حَامِدٌ عَنْ دُخُولِهِ الجَامِعَةَ عَامَ 1968، وَعَنْ انْقِلَابِ نُمَيْرِي عَامَ 1969، وَعَنْ اشْتِعَالِ السَّاحَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَعَنْ انْخِرَاطِهِ فِي اتِّحَادِ الشَّبَابِ السُّودَانِيِّ، وَهُوَ مَا قَادَهُ إِلَى التَّدَهْوُرِ الأَكادِيمِيِّ وَالصِّدَامِ مَعَ عَمِيدِ الطُّلَّابِ، ثُمَّ فَصْلِهِ مِنَ الجَامِعَةِ.
“الاثْنَيْنِ مَعًا… كُنْتُ مُنْخَرِطًا كَثِيرًا فِي الشُّغْلِ السِّيَاسِيِّ.”
كَانَ الفَصْلُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ.
بُلْغَارِيَا… المَنْفَى الأَكادِيمِيُّ الجَمِيلُ
مِنْحَةٌ قُسِّمَتْ عَلَى أَسَاسِ المَنَاطِقِ، وَمِنْحَةٌ ذَهَبَتْ لِدَارْفُورَ لِعَدَمِ وُجُودِ طُلَّابٍ جَنُوبِيِّينَ مُؤَهَّلِينَ. هٰكَذَا وَجَدَ حَامِدٌ نَفْسَهُ فِي صُوفِيَا، يَدْرُسُ اقْتِصَادِيَّاتِ النَّقْلِ وَالمُوَاصَلَاتِ، وَيُصْبِحُ – كَمَا قَالَ –
“أَكَادُ أَكُونُ أَوَّلَ زُولٍ فِي السُّودَانِ يَتَخَرَّجُ بِهٰذَا التَّخَصُّصِ.”
فِي بُلْغَارِيَا عَاشَ تَجْرِبَةً مُخْتَلِفَةً: شَعْبٌ بَسِيطٌ، فَلَّاحُونَ، مُجْتَمَعٌ اشْتِرَاكِيٌّ، وَسَبْعُمِائَةِ طَالِبٍ سُودَانِيٍّ، لَكِنَّهُ كَانَ الوَحِيدَ مِنْ دَارْفُورَ، حَتَّى لُقِّبَ هُنَاكَ بِـ حَامِدِ الغَرْبَاوِيِّ.
النُّخْبَةُ السُّودَانِيَّةُ… أَصْلُ الأَزْمَةِ
يَدْخُلُ حَامِدٌ فِي صُلْبِ رُؤْيَتِهِ الفِكْرِيَّةِ:
النُّخْبَةُ السُّودَانِيَّةُ – كَمَا يَقُولُ – هِيَ المَسْؤُولَةُ عَنْ أَزْمَاتِ السُّودَانِ، لِأَنَّهَا نُخْبَةٌ مُسْتَلَبَةٌ، لَمْ تَبْنِ وِجْدَانًا وَطَنِيًّا مُشْتَرَكًا، وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِالمَظَالِمِ التَّارِيخِيَّةِ، وَلَمْ تُعَالِجْ إِرْثَ تِجَارَةِ الرِّقِّ، وَلَمْ تَفْهَمْ التَّنَوُّعَ السُّودَانِيَّ.
“النُّخْبَةُ السُّودَانِيَّةُ كَانَتْ نُخْبَةً فَاشِلَةً.”
وَيَرَى أَنَّ الأَحْزَابَ السُّودَانِيَّةَ كُلَّهَا نَشَأَتْ بِفِكْرٍ مُسْتَوْرَدٍ، وَأَنَّ الانْحِيَازَ لِلْعُرُوبَةِ جَاءَ عَلَى حِسَابِ الهُوِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ الجَامِعَةِ.
الحَرْبُ… لَيْسَتْ جَدِيدَةً عَلَى السُّودَانِ
يُذَكِّرُ بِأَنَّ السُّودَانَ لَمْ يَعْرِفِ السَّلَامَ مُنْذُ 1956، وَأَنَّ الحُرُوبَ كَانَتْ دَائِمًا فِي الجَنُوبِ وَالغَرْبِ وَالشَّرْقِ، وَأَنَّ الجَدِيدَ فَقَطْ هُوَ وُصُولُ الحَرْبِ إِلَى الخُرْطُومِ وَالجَزِيرَةِ.
دَارْفُورُ… الجُرْحُ الَّذِي لَمْ يَنْدَمِلْ
يَحْكِي عَنْ تِجَارَةِ الرِّقِّ، وَعَنْ الهَنْدَسَةِ الدِّيمُوغْرَافِيَّةِ، وَعَنْ تَسْلِيحِ القَبَائِلِ، وَعَنْ الجَنْجَوِيدِ، وَعَنْ الجَرَائِمِ الَّتِي ارْتُكِبَتْ، وَعَنْ مَشَاهِدَ عَاشَهَا بِنَفْسِهِ فِي الجَنِينَةِ.
“مُنْذُ 2003 فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ قُتِلَ أَكْثَرُ مِنْ 300 أَلْفٍ… وَمَا زَالَ المَلَايِينُ فِي المَعْسَكَرَاتِ.”
الإِسْلَامِيُّونَ… الخَرَابُ المُنَظَّمُ
يَقُولُ بِصَرَاحَةٍ:
“الإِسْلَامِيُّونَ قَدَّمُوا لِلْبَلَدِ الدَّمَارَ وَالخَرَابَ وَالفَسَادَ وَالعُنْصُرِيَّةَ… وَشَوَّهُوا الإِسْلَامَ.”
دَوْلَةُ 56… الدَّوْلَةُ الَّتِي لَمْ تَبْنِ وَطَنًا
يَخْتَصِرُهَا بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ:
“دَوْلَةُ 56 هِيَ الدَّوْلَةُ الفَاشِلَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعْ بِنَاءَ وِجْدَانٍ وَطَنِيٍّ.”
الحَلُّ… كَيْفَ نَخْرُجُ مِنَ الدَّائِرَةِ؟
الحَلُّ عِنْدَهُ وَاضِحٌ:
• وَقْفُ الحَرْبِ فَوْرًا
• بِنَاءُ دُسْتُورٍ عِلْمَانِيٍّ دِيمُقْرَاطِيٍّ
• عَدَالَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ قَبْلَ أَيِّ سَلَامٍ
• اعْتِرَافٌ بِالمَظَالِمِ التَّارِيخِيَّةِ
• دَوْلَةُ مُوَاطَنَةٍ لَا دَوْلَةُ إِثْنُوغْرَافِيَّةٍ
• تَفَاوُضٌ شَامِلٌ بِلَا إِقْصَاءٍ
• مُرَاجَعَةٌ جَذْرِيَّةٌ لِلوَعْيِ السِّيَاسِيِّ السُّودَانِيِّ
الخَاتِمَةُ النِّهَائِيَّةُ المُوَسَّعَةُ
تَبْلُغُ هٰذِهِ الحِكَايَةُ فِي خِتَامِهَا مَسَارًا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ السَّرْدِ الشَّخْصِيِّ، لِيُصْبِحَ شِبْهَ مَرْآةٍ كَبِيرَةٍ يَنْظُرُ فِيهَا السُّودَانُ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ التَّشَظِّي وَالتَّنَاقُضِ وَالأَحْلَامِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ عَلَى صُخُورِ السِّيَاسَةِ وَالحَرْبِ. فَمَا رَوَاهُ حَامِدٌ عَلِي نُور لَيْسَ مُجَرَّدَ مَاضٍ يُسْتَدْعَى، بَلْ هُوَ وَعْيٌ يُسْتَخْرَجُ، وَدَرْسٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ، وَصَوْتٌ يَتَحَدَّثُ بِاسْمِ مِلْيُونَاتٍ لَمْ تُتَحْ لَهُمْ فُرْصَةُ الحَدِيثِ.
فِي كُلِّ مَقْطَعٍ مِنْ هٰذَا الحِوَارِ، يَبْدُو السُّودَانُ كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مِنْ خِلَالِ رَجُلٍ وَاحِدٍ:
سُودَانٌ مُثْقَلٌ بِتَارِيخٍ لَمْ يُقْرَأْ كَمَا يَنْبَغِي، وَمَظَالِمَ لَمْ تُعَالَجْ، وَنُخَبٍ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَ مَسْؤُولِيَّةَ الوَطَنِ، وَهُوِيَّةٍ تَاهَتْ بَيْنَ العُرُوبَةِ وَالأَفْرَقَةِ، وَبَيْنَ مَا نُرِيدُ أَنْ نَكُونَهُ وَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَهُ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، يَبْقَى فِي الحِكَايَةِ خَيْطٌ نَاصِعٌ مِنَ الأَمَلِ، يَقُولُ لِلسُّودَانِيِّينَ:
إِنَّ الوَطَنَ الَّذِي نُحِبُّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَمْ يَتَبَدَّدْ، وَلَمْ يَفْقِدْ قُدْرَتَهُ عَلَى النُّهُوضِ.
إِنَّهُ يَنْتَظِرُ فَقَطْ أَنْ نَنْظُرَ فِي المِرْآةِ، وَأَنْ نَعْتَرِفَ بِمَا فَعَلْنَاهُ وَبِمَا فُعِلَ بِنَا، وَأَنْ نَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ بِقَلْبٍ صَافٍ وَعَقْلٍ مُنْفَتِحٍ.
فَهٰذِهِ الخَاتِمَةُ هِيَ دَعْوَةٌ لِكُلِّ سُودَانِيٍّ:
أَنْ يَنْظُرَ فِي المِرْآةِ، وَأَنْ يَرَى السُّودَانَ فِي عَيْنَيْ




