رأي

خطورة الذات العنصرية على تماسك البناء الوطني والنسيج الاجتماعي: عبد الرحمن عمسيب نموذجاً (الحلقة الثانية)

صالح السليمي

صالح السليمي

في الحلقة الماضية تناولنا كيفية تشكُّل الذات العنصرية، وتوقفنا عند نموذج عبد الرحمن عمسيب، بوصفه حالة دراسية تعكس بجلاء الكيفية التي تتكون بها هذه الذات المتورمة، المعقدة، والمشحونة بأوهام التفوق العرقي والنقاء الثقافي. وها نحن، في هذه الحلقة الثانية، ننتقل خطوة إلى الأمام لنكشف عن الأثر المدمر الذي تُحدثه هذه الذات العنصرية، لا على ضحاياها فحسب، بل على النسيج الاجتماعي بأكمله، وعلى تماسك البناء الوطني الذي لا يحتمل مثل هذا النوع من الخطابات المُلغَّمة بالعداء الداخلي والكراهية المجانية.

نستند في تحليلنا إلى فيديو منشور على صفحة عبد الرحمن عمسيب، يُهاجم فيه القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، ويتهمه بما سماه “الاستهتار بالأمن القومي”، وذلك بسبب تعامل البرهان مع ما يطلق عليه ”حركات الزغاوة المسلحة”. استهجن عمسيب على البرهان أرسال فريقاً من مقاتلي هذه الحركات للتدريب على تشغيل الطائرات المسيَّرة بيرقدار وأكنجي في تركيا، مع ان طبيعي يهدف رفع كفاءة قوة عسكرية تقاتل بجانب قواته، إلا عمسيب يستكثر على هؤلاء مزية التدريب، وكأن الرجل يريدهم يقاتلون الى جابنه باستخدام أسنانهم وأظافرهم.
لقد أرغى عمسيب وأزبد، وراح يكيل الاتهامات العنصرية دون وازع من ضمير أو مسؤولية وطنية، بل تجاوز حدود الخلاف السياسي إلى التحريض العرقي المباشر. فمن الواضح أن الرجل لا يعترض على إشراك الحركات المسلحة في المعركة من حيث المبدأ، بل يعترض على أن يكون لهذه الحركات، وبالأخص تلك التي ينتمي قادتها لقبائلالزغاوة، أي مستوى من التمكين أو الثقة أو الندية، ودون أن يُعاملوا كشركاء أو يُمنحوا حق الوصول إلى أدوات القوة أو القرار أو حتى التدريب المتقدم.
ولعل أكثر ما يكشف خواء هذا الخطاب العمسيبي ، ودرجة تغلغله في مستنقع العنصرية المُنتنة ، هو استهجان عمسيب المريض إلى أن إدخال ستة ضباط من أبناء الحركات المسلحة إلى هيئة عمليات القوات المسلحة بوصفه يُشكّل “خطراً أمنياً”، بل وصل به الوقاحة إلى القول إن هؤلاء الضباط “سيتجسسون ويسرقون أسرار القوات المسلحة”. أي جنون هذا؟ وأي أسرار تلك التي يُخشى كشفها على مقاتلين ينامون معك في نفس الخنادق، ويقاتلون تحت ذات الشعار.
إن خطاب عبد الرحمن عمسيب لا يُهدد فقط المكونات التي يستهدفها، بل يهدد القاعدة التي يقوم عليها العقد الاجتماعي، ويُزعزع الثقة في النسيج الوطني ذاته، ويعمّق الشكوك بين مكوناته. فقد بدأ الهجوم على مكون الزغاوة منذ الأيام الأولى للحرب، واستُخدم الإعلام العنصري العمسيبي جميع عبارات الازدراء والتحقير لقومية أصيلة من القوميات السودانية دون مبرر او مسوغ، واي مبرر ذلك الذي يبيح التهجم على الآخرين.
والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب قد أصبح الآن يُهدد وحدة المعسكر الذي يتبناه عمسيب نفسه. ويكفي أن نُشير في هذا السياق إلى مغادرة مني أركو مناوي البلاد في ظروف غامضة، وهي خطوة تحمل في طياتها مؤشرات على تصدع وشيك داخل ذلك المعسكر، نتيجة لخطاب لا يؤمن بالشراكة، ولا يقبل بالتنوع، ويعجز عن استيعاب أن السودان لا يمكن أن يُبنى على لون واحد أو قبيلة واحدة أو سردية واحدة.

خاتمة:
هذا التحليل غير معني الاصطفاف، بل يهدف إلى تسليط الضوء على خطورة تنامي خطاب العنصرية، الذي يمثل تهديداً مباشراً لوحدة البلاد، وسلمها الاجتماعي، وتماسك بنيتها الوطنية. إنّنا، حين نُحلل خطاباً مثل الذي يطرحه عمسيب، لا ننطلق من موقف شخصي او خصومة وإنما من قلق عميق على ما تبقى من الوطن، الذي لن يُبنى بكره أحد، ولن يُحكم بإقصاء أحد، ولن يصمد إن استمرت مثل هذه الذوات السامة في صدارة المشهد الإعلامي والسياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!