
سمية النور دهب
حين يتحدث مسؤول أميركي رفيع بهذا الوضوح عن السودان، فإن الرسالة تتجاوز حدود التصريح الدبلوماسي إلى رسم ملامح موقف دولي آخذ في التبلور. فالتأكيد على أن لا تسوية عسكرية ممكنة في السودان ليس توصيفاً عابراً للمشهد، بل إقرار بحقيقة أثبتتها تجارب السنوات الماضية: كل رصاصة إضافية تعمّق الجرح، ولا تقترب خطوة واحدة من الدولة المنشودة.
جوهر الموقف الذي عبّر عنه مسعد بولس يتمثل في إعادة الاعتبار للمدنيين بوصفهم أصحاب الحق الأصيل في تقرير مستقبل البلاد. فالسودان، الذي أنهكته الانقلابات والحروب المتعاقبة، لم يعد يحتمل إعادة تدوير الأزمات تحت لافتات جديدة. أي رهان على الحسم بالقوة لن ينتج سوى سلطة مثقلة بالدماء، تفتقر إلى الشرعية الداخلية والدعم الدولي، وتبقى رهينة التوازنات المسلحة لا إرادة المواطنين.
الحديث عن ضرورة تشكيل حكومة مدنية إصلاحية يعيد النقاش إلى مربعه الصحيح: بناء مؤسسات على أسس الشفافية وسيادة القانون، لا على المحاصصات أو الولاءات الضيقة. فالإصلاح المؤسسي ليس ترفاً نظرياً، بل شرط بقاء الدولة نفسها. من دون مؤسسات مهنية مستقلة، سيظل الصراع قابلاً للاشتعال عند أول اختبار.
ولعل أكثر ما يلفت في هذا الطرح هو الإشارة الصريحة إلى دور الشبكات المرتبطة بالنظام السابق وبعض التيارات الإسلامية السياسية في تغذية الاستقطاب والعمل خلف الكواليس لاستعادة النفوذ. فالأزمات لا تنشأ في الفراغ، بل تتغذى على مصالح متشابكة تخشى فقدان امتيازاتها. حين تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات صراع نفوذ، يصبح الانتقال المدني مهدداً من داخله قبل أن يواجه خصومه في العلن.
المساءلة هنا ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، بل حجر الزاوية لأي انتقال ذي مصداقية. الإفلات من العقاب يرسل رسالة خطيرة مفادها أن العنف وسيلة مشروعة لتحقيق المكاسب. أما العدالة، فهي الضمانة الوحيدة لطي صفحة الماضي من دون دفنها.
الدعوة إلى وقف فوري للقتال وفتح ممرات آمنة تعكس إدراكاً بأن البعد الإنساني لا يحتمل التأجيل. فلا معنى لأي عملية سياسية بينما المدنيون عالقون بين نارين، ولا جدوى من هدنة لا تكفل وصول المساعدات بعيداً عن الاستغلال.
في المحصلة، تتبلور معادلة واضحة: لا استقرار من دون مدنية، ولا مدنية من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون مساءلة. بين خيار البندقية وخيار الدولة، يبدو أن العالم يبعث برسالة حاسمة: المستقبل يُصنع على طاولة السياسة، لا في ساحات القتال.



