
إسماعيل هجانة
اليوم، وفي رؤية واقعية تتحدث فيها الرموز بلغة أبلغ من السياسة، تقفز رسالة الهوية لتتصدر المشهد. ظهور الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة “تأسيس”، برفقة رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي ونائب رئيس المجلس عبد العزيز الحلو في العاصمة الأوغندية كمبالا بالزي الإفريقي، يمثل إعلان مبادئ بصري يرسخ فكرة أن العمق الاستراتيجي والطبيعي للسودان يكمن في جذوره السمراء. هذه الرمزية تقطع الطريق بقوة على محاولات عزل الأزمة السودانية عن محيطها القاري، وتوجه رسالة حاسمة للمؤسسات الإقليمية بأن هوية السودان القادمة تتأسس على الشراكة والانتماء الأصيل، مفارقةً دروب التبعية لمحاور غريبة عن وجدانه الجغرافي والثقافي.
وفي خضم هذه التقاطعات السياسية المحتدمة بصراع المحاور والبحث المضني عن الاستقرار، تأتي هذه الزيارات في توقيت بالغ التعقيد تتشابك فيه خيوط الصراع الداخلي مع التدخلات الخارجية. وبينما تستند السلطة في بورتسودان إلى محاور إقليمية وعربية محددة وتقاطعات مكشوفة مع دول راعية لتيارات الإسلام السياسي، يتقدم تحالف السودان التأسيسي كبديل استراتيجي تحرسه حاضنة إفريقية متماسكة. هذا التوجه نحو العمق الإفريقي يهدف مباشرة لكسر الطوق الدبلوماسي، وبناء أسواق ومسارات أمنية جديدة تعتمد على التنسيق الإقليمي المباشر، متجاوزاً حالة الاستقطاب التي تفرضها عواصم بعيدة عن تركيبة السودان الديموغرافية وتعقيداته البنيوية.
وأمام واقع الأزمة ومحاولات فرض حكومة الأمر الواقع، تستند رؤية التحالف التأسيسي إلى سردية سياسية حاسمة تعتبر المأساة السودانية الراهنة نتاجاً تراكمياً لسيطرة تنظيم “الإخوان المسلمين” وحلفائه على مفاصل الدولة. من هذا المنطلق، يرى التحالف في حكومة بورتسودان واجهةً صريحة تعيد إنتاج النظام القديم وتستمد بقاءها من إطالة أمد الحرب واستثمار التناقضات الإقليمية. الرفض الجذري لهذه السلطة ينبع من قناعة سياسية راسخة باستحالة استقرار السودان والإقليم في ظل استمرار هيمنة هذه الأيديولوجيا على قرار الدولة ومؤسساتها العسكرية.
تتجلى هنا رؤية “تأسيس” المرتكزة على فلسفة التفكيك وإعادة البناء؛ ففي ظل هذا الاستقطاب الحاد، يتقدم التحالف كقوة سياسية وعسكرية مصممة على تفكيك بنية “السودان القديم” واجتثاث أذرع الإسلام السياسي المتسببة في أزمات البلاد المتعاقبة. حضور شخصيات مدنية وعسكرية وتاريخية مثل التعايشي والحلو بجانب دقلو في قيادة التحالف، يضفي على هذه السلطة الموازية — المنطلقة من نيالا — بُعداً سياسياً ومدنياً عميقاً، يخدم مشروعاً يسعى لتأسيس دولة تدير علاقاتها الخارجية بواقعية تضع مصالح القارة الإفريقية وشعوبها في المقدمة.
ورغم ذلك، تقتضي النظرة الموضوعية لواقع المشهد الإقرار بأن طريق “تحالف السودان التأسيسي” محفوف بتحديات دستورية ودبلوماسية هائلة. فرغم النجاح في خلق زخم إقليمي لافت وخطاب سياسي متماسك مناهض للإسلاميين، يواجه التحالف عقبة الاعتراف الدولي المؤسسي في ظل تحفظات أممية وإفريقية سابقة تجاه فكرة تشكيل حكومات موازية. تعقيدات الحرب الميدانية واستمرار الأزمة الإنسانية الخانقة تجعل من تحويل هذا الزخم الدبلوماسي والرمزي إلى سلام مستدام امتحاناً غاية في الصعوبة.
ورغم عتمة المشهد وقسوة التحديات التي تفرضها هذه المرحلة المفصلية، يظل الأمل نابضاً وعصياً على الانكسار. آلام المخاض الحالي، بشتى قسوتها، تمثل إرهاصات حقيقية لولادة فجر سوداني جديد يتصالح فيه الوطن مع ذاته وهويته الأصيلة. إرادة السودانيين أثبتت دوماً صلابتها في وجه المحن، وعزيمتهم قادرة على العبور بالبلاد من وسط الركام لرسم لوحة سلام مستدام. نحن نقف اليوم على أعتاب تاريخ جديد، تُزهر فيه التضحيات أمناً وعدالة، ليعود السودان، بهويته الإفريقية العميقة، وطناً شامخاً، معافى، وخيمةً واسعةً تتسع لأحلام كل أبنائه.
إسماعيل هجانة – الحكاية الأعمق من الحرب




