
عابدة مختار
تُعدّ حرب السودان واحدة من أخطر الحروب التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث، ليس فقط لما خلّفته من دمار مادي وإنساني، بل لما كشفت عنه من طبيعة السلطة التي تدير المشهد من خلف خطابٍ يفتقر إلى المصداقية. في قلب هذا المشهد يقف عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، وهو يقدّم خطابًا سياسيًا مكرورًا عن الشرعية وحماية الدولة، بينما تتراكم على الأرض وقائع تناقض كل ما يُقال.
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، بدا واضحًا أن البلاد دخلت مرحلة مفصلية. لم يعد الصراع مجرد تنافس على السلطة، بل تحوّل إلى مواجهة كشفت عمق الأزمة البنيوية في مؤسسة عسكرية طالما قُدّمت بوصفها حامية للوطن. فقد ارتبط اسم الجيش خلال هذه الحرب بانتهاكات جسيمة، واستهداف مناطق مدنية، وخطاب إقصائي تجاه مجتمعات وُصفت بأوصاف سياسية واجتماعية زادت من حدة الانقسام الوطني.
خطاب البرهان، الذي يسعى إلى تسويق رواية أحادية للصراع، يقوم على تصوير المعركة باعتبارها دفاعًا عن الدولة، في حين أن الممارسات على الأرض تُظهر واقعًا أكثر تعقيدًا. فالدولة التي يُفترض حمايتها تآكلت مؤسساتها، وتشرذم نسيجها الاجتماعي، وتحوّلت أراضيها إلى ساحات مفتوحة للقتل والنزوح والانهيار الاقتصادي. هنا يبرز التناقض بين القول والفعل؛ بين الخطاب الذي يخاطب الخارج بلغة الدبلوماسية، والواقع الذي يئن تحت وطأة الحرب.
المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يتعامل مع المشهد السوداني بقدر عالٍ من البراغماتية. قد تتجنب بعض العواصم التصريحات الحادة في العلن، لكنها لا تغفل عن متابعة التفاصيل الدقيقة لما يجري. العقوبات، والتقارير الحقوقية، والتحركات الدبلوماسية غير المعلنة، كلها مؤشرات على أن العالم لا يتجاهل ما يحدث، حتى وإن بدا صامتًا في بعض اللحظات. السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالحسابات، وهذه الحسابات تتشكل على ضوء الوقائع الميدانية لا الشعارات.
لقد كشفت هذه الحرب هشاشة السردية التي ظلت تُروّج لجيشٍ فوق المساءلة. ومع تصاعد الاتهامات المتعلقة بانتهاكات خطيرة، تزداد الضغوط السياسية والأخلاقية على القيادة العسكرية. فمسألة الجدارة في الحكم لم تعد تُقاس بالشعارات، بل بقدرة القائد على حماية شعبه وصون وحدته. وحين يفشل الحاكم في تحقيق ذلك، يصبح السؤال حول شرعيته سؤالًا مشروعًا.
رغم الألم والمعاناة، فإن ما جرى أسقط أقنعة كثيرة، وفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمسار الدولة السودانية خلال عقود مضت. لقد تعرّت الأوهام، وبات واضحًا أن استمرار النهج ذاته لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام. المستقبل يتطلب مشروعًا وطنيًا جامعًا، يؤسس لجيش مهني خاضع للسلطة المدنية، ويعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية، ويطوي صفحة الخطاب المغشوش.
أما البرهان، فإن مصيره السياسي سيحدده ميزان الوقائع لا البلاغة الخطابية. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والعالم حين يتحرك يفعل ذلك في اللحظة التي يراها مناسبة، لا في اللحظة التي يطلبها أصحاب السلطة.
ولي عودة.




