رأي

مدينة بيالي – أوغندا

حامد النعمان يكتب

 

حامد النعمان يكتب …

19 فبراير 2026

حين تندلع الحروب الأهلية، لا يُقتل الناس فقط بالرصاص، بل يُعاد تعريفهم قسرًا وفق خرائط الولاء والعداء. منذ اندلاع المواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عام 2023، وجد آلاف المدنيين أنفسهم متهمين بهوياتهم لا بأفعالهم. بعضهم صُنّفوا، بحكم تركيبتهم الاجتماعية أو الجغرافية، باعتبارهم “حواضن” لطرفٍ ما، فصار الاشتباه الجماعي مبررًا للقتل والتشريد. هكذا تحوّل المدني إلى ساحة معركة.

الفرار إلى أوغندا لم يكن خيارًا سياسيًا بل ضرورة حياتية: النجاة. غير أن النجاة لا تعني الأمان الكامل. في مخيمات اللجوء، حيث تتكدس الخيام وتتشابك الأزمات، يعيش اللاجئون السودانيون واقعًا معقدًا: نقص في الرعاية الصحية، أمراض مرتبطة بسوء التغذية والمياه غير الآمنة، تعليم متقطع، وصدمات نفسية لم تجد بعد مساحةً للشفاء. المخيم، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا مؤقتًا، يتحول تدريجيًا إلى إقامةٍ طويلة بلا أفق واضح.

المأساة لا تقف عند حدود الجغرافيا. فهؤلاء الذين هُجّروا بدعوى الاشتباه، لم يجدوا تمثيلًا كافيًا في الأطر السياسية التي تزعم مناهضة التهميش وبناء نظام حكم جديد. تتقدم حسابات الشرعية والسلطة، وتتراجع قضية من فقدوا بيوتهم وكرامتهم إلى هوامش البيانات. هنا تتجلى مفارقة قاسية: كيف يمكن لمشروعٍ سياسي يُبشّر بالعدالة أن يغفل عن أكثر الفئات هشاشة في لحظة التأسيس؟

علم النزاعات يوضح أن “العقاب الجمعي” في الحروب الداخلية ليس انحرافًا طارئًا، بل نمطًا يتكرر حين تُختزل المجتمعات في هويات صلبة. لكن كلفة هذا النمط تتجاوز اللحظة الراهنة؛ فهي تُنتج أجيالًا تنشأ على الإقصاء، وتُراكم إحساسًا عميقًا بالخذلان، وتُضعف أي عملية سلام مستقبلية. فالسلام الذي لا يعترف بضحاياه، يظل هشًا.

قصة اللاجئين السودانيين في أوغندا ليست مجرد خبر إنساني عابر، بل اختبار أخلاقي وسياسي. إن إعادة الاعتبار لهم تبدأ بفصل المدنيين عن منطق الاشتباه، وبإدماج قضاياهم في أي مسار سياسي جاد، وبضمان تمويلٍ إنساني مستدام يحفظ الكرامة لا الحد الأدنى من البقاء فقط.

في النهاية، تُقاس إنسانية الحروب — إن كان فيها من إنسانية — بقدرتنا على حماية من لا يحملون سلاحًا. وهؤلاء، الذين طُردوا لأنهم وُضعوا قسرًا في خانةٍ سياسية، يستحقون أن يُنظر إليهم خارج معادلات القوة، بوصفهم حقيقةً بسيطة وعميقة: بشرٌ يريدون الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!