
شهدت مدينة نيالا بجنوب دارفور يوم امس حدثاً استثنائياً حين أدى أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة التأسيس برئاسة الفريق محمد حمدان القسم الدستوري على توطيد دعائم حكم (علماني) ديمقراطي لامركزي، وهي لحظة بدت فارقة في الوجدان السوداني الذي مزقته العنصرية والكراهية، ليس فقط لرمزيتها السياسية وإنما لأنها عكست لوحة رائعة من التنوع السوداني، وأعلنت عن ميلاد دولة رفعت راية الحرية والعدالة والتزمت بترسيخ قيم النظام الديمقراطي العلماني اللآمركزي في إطار قوانين السودان الجديد.
وفي خطاب وُصف بالضافي أعلن رئيس المجلس الرئاسي تشكيل حكومة السلام السودانية معتبراً إياها خطوة عملية نحو تنفيذ المهام المتفق عليها لإنهاء الحروب الطويلة في البلاد، وهي تأكيد لمسؤوليات عظيمة وجسيمة تأتي في ظروف بالغة التعقيد، حيث يواصل الطرف الاخر الحديث عن استمرار الحرب وتقسيم الدولة السودانية، وفي هذه السانحة التاريخة لم يتردد حميدتي في توصيف حرب 15 أبريل بأنها حرب فُرضت من عناصر الحركة الإسلامية الرافضة للاتفاق الإطاري، داعياً في الوقت ذاته إلى تحقيق دولي (شفاف).. يكشف عن الجهة التي أشعلت نيرانها وتسببت في معاناة السودانيين.
خطاب المجلس الرئاسي حمل التزامات واضحة من بينها إنهاء الشمولية والدكتاتورية وإقامة دولة علمانية تسمح بالتداول السلمي للسلطة، ومنع تدخل الجيش في السياسة، وكذلك ترسيخ دولة القانون القائمة على مواثيق حقوق الإنسان والحريات العامة، وشدد على ضرورة تحقيق العدالة التاريخية والمحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سبعين عامًا من عمر السودان المستقل. حيث جاء في الخطاب الرئاسي أن هدف حكومة السلام هو تحرير المواطن السوداني من الخوف وتمكينه من حرية اختيار القوانين التي يريدها دون (إكراه).. ولم يغفل خطاب حميدتي سياسة حسن الجوار وبناء علاقات خارجية تقوم على المصالح المشتركة في إشارة إلى أن السودان الجديد لا ينغلق على ذاته، بل يسعى إلى شراكات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي.
ومن المعروف في منطق السياسة العامة أن التزامات بهذه الضخامة لا تخلو من تحديات حقيقية، فالحكومة الجديدة ستقف أمام امتحان عسير، حيث يتعين عليها أن تترجم شعاراتها إلى واقع عملي وملموس يعزز مصداقيتها، ويثبت قدرتها على الصمود في وجه العراقيل والازمات السياسية، من بقايا الشمولية والاسلام السياسي إلى تعقيدات الحرب والسلام، والعمل عى التخلص منها باقل تكلفة، ومع ذلك فإن خطاب التأسيس جاء محمّلًا بجرعة من الأمل الواعد، كأنه يريد أن يقول للسودانيين إن طريق الحرية والعدالة ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى مثابرة وإرادة جماعية تعلو فوق كل الانقسامات والاختلافات. وان الطريق إلى للوفاء بالتزامات تأسيس الواردة في الخطاب الرئاسي ياتي لضمان تحول هذه التعهدات إلى إنجازات، لا بد ان تتبعها خمسة خطوات:
الخطوة الاولى: هي إرساء العدالة الانتقالية عبر لجان مستقلة وشفافة تحقق في الانتهاكات وتضمن عدم الإفلات من العقاب.
الخطوة الثانية: تتمحور في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بما يمنع تدخلها في السياسة ويضمن مهنيتها وولاءها للوطن.
الخطوة الثالثة: تشمل إطلاق عملية حوار وطني شامل يضم كل القوى المدنية الاجتماعية، لتوسيع قاعدة الشرعية وتفادي الإقصاء والتهميش.
الخطوة الرابعة: العمل على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين حتى يشعر المواطن بثمرة التغيير في حياته اليومية.
الخطوة الخامسة: تعمل على تفعيل سياسة حسن الجوار عبر مبادرات عملية للتعاون الاقتصادي والأمني مع المحيط الإقليمي.
إن حكومة الحرية والعدالة التي تم الاعلان عنها يوم امس في مدنية نيالا إن أرادت أن تكتب اسمها في صفحات التاريخ السوداني بمداد من نور، فهي مطالبة اولاً بأن تمضي في هذه الخطوات، وأن تثبت للشعوب أن التغيير هذه المرة ليس مجرد شعارات سياسية او دعاية اعلامية، بل مشروع حياة جديدة يليق بتضحيات السودانيين وآمالهم وتطلعاتهم نحو غدٍ وثاب. وان التاريخ لا يرحم الحكومات التي تخلف وعودها، لكن يحتفي بمن يحول الوعد إلى واقع والقول إلى فعل.




