رأي

التخلص من البرهان… مناورة أم رسالة ضغط؟

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في السياسة السودانية، لا تؤخذ التصريحات بظاهرها فقط، بل تُقرأ في سياقها. وعندما يصدر حديث منسوب إلى حزب المؤتمر الوطني حول (وجوب التخلص من البرهان)، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: هل قيل ذلك؟ بل: لماذا قيل الآن؟

المؤتمر الوطني ليس حزباً عادياً في المشهد السوداني. فقد حكم ثلاثين عاماً، وشكّل خلال تلك الفترة شبكة نفوذ ممتدة داخل مؤسسات الدولة، خاصة الأمنية والعسكرية. لذلك فإن أي خطاب صادر عنه يجب أن يُفهم في إطار حسابات القوة، لا في إطار الشعارات. خلال الثورة السودانية عام 2019، أظهرت تصريحات الحزب قدرته على استغلال الفجوات داخل الجيش والمؤسسات الأمنية للضغط على المجلس الانتقالي السابق دون مواجهة مباشرة. هذا التاريخ يوضح أن الحزب يميل إلى استخدام المناورات الإعلامية والسياسية لتحقيق أهدافه، وليس دائماً الاعتماد على القوة الصلبة.

هل يملك الحزب القدرة الفعلية على تنفيذ ما يُلمّح إليه؟ التخلص من رأس سلطة عسكرية في ظرف حرب يتطلب نفوذاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، وتوافقاً داخلياً، وصمتاً إقليمياً أو دعماً غير معلن. دون ذلك، يصبح التصريح أقرب إلى أداة ضغط سياسي منه إلى خطة تنفيذية.

الاحتمال الأقرب أن يكون الخطاب رسالة مزدوجة: رسالة إلى عبد الفتاح البرهان مفادها أن شرعيته ليست محصنة، ورسالة إلى قواعد الحزب بأنهم ليسوا تابعين بل فاعلين في المشهد.

قراءة التصريح كإعلان تفاوض

التصريح عن (وجوب التخلص من البرهان) لا يُفهم بالضرورة على أنه خطة فورية لإزالة السلطة، بل يمكن قراءته كأداة تفاوضية سياسية. رفع السقف الكلامي يرسل إشارات للبرهان بأن الحزب موجود وقوته مؤثرة، ولأعضاء الحزب أن دورهم لا يُستهان به، كما يختبر ردود الفعل قبل أي خطوة عملية. عبر هذه الاستراتيجية، يُظهر الحزب ثقله، يضغط على الطرف المقابل، ويعيد تموضعه إعلامياً وسياسياً، ما يزيد من وزنه التفاوضي دون الدخول في مواجهة مباشرة.

الربط بين النشر والأيديولوجيا

عندما يُنشر تصريح الحزب على قناة مثل قناة الحدث، فإن ذلك لا يعكس فقط موقف الحزب، بل يُستغل لإيصال الرسالة ضمن بيئة إعلامية ذات تأثير واسع. المؤتمر الوطني متأثر تاريخياً بالفكر الإخواني، وله شبكات تحالف وإسناد مع بعض الفروع الإخوانية في المنطقة. لذلك فإن نشر التصريح في منصة إعلامية ذات انتشار إقليمي يعطي الانطباع بأن الخطاب يجد صدى أوسع، دون أن يعني بالضرورة تمثيلاً رسمياً لتيار بعينه في كل الدول.

من منظور الحزب، الظهور في منصة إعلامية مؤثرة هو خطوة مدروسة لتعظيم التأثير السياسي. الحزب يعرف أن البرهان يشغل أعلى سلطة تنفيذية منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وأن أي مواجهة مباشرة مكلفة. لذلك يُستخدم الإعلام كأداة ضغط غير مباشر. رفع السقف اللفظي يرسل إشارات للبرهان بأنه لا يمكن تجاهل الحزب، ويذكّر الحلفاء المحليين والإقليميين بوزنه في المشهد. في الوقت ذاته، يمنح الخطاب بعداً أيديولوجياً يعزز صورته لدى قواعده ويحفظ له موقعاً في أي ترتيبات مستقبلية.

تسخير الإعلام ومعركة السرديات

جزء من استراتيجيات الحزب هو استخدام الإعلام لتسويق خطاب سياسي وتخويف الخصوم المدنيين، عبر حملات تخوين ممنهجة تستهدف شخصيات عامة وأفراداً، واتهامهم بالعمالة أو الارتباط بأجندات خارجية، ما يخلق بيئة استقطاب وضغط.

كما أثير جدل حول تقارير منسوبة إلى جهات أكاديمية دولية، من بينها Yale University، حيث استُخدمت تقارير أكاديمية أحياناً لتعزيز روايات سياسية محددة، بينما شكك آخرون في دقتها أو طريقة توظيفها إعلامياً. سواء كانت تلك التقارير دقيقة أم لا، فإن طريقة توظيفها تكشف كيف يمكن استخدام المؤسسات الأكاديمية ضمن معركة السرديات لتقوية موقف سياسي بعينه.

أمثلة حديثة ودلالات مستمرة

خلال السنوات الأخيرة، استخدم الحزب الإعلام بشكل متكرر كأداة تفاوض سياسية، سواء داخل السودان أو عبر شبكاته في الخارج، لإرسال رسائل ضغط للبرهان وحلفائه. هذه الممارسات تعكس استمرارية النهج، كما تكشف عن موارد وقدرات تنظيمية تمكّنه من التأثير في بعض مفاصل المشهد العام.

الوعي هنا ضروري. لا ننخدع بالتصعيد اللفظي، ولا نستهين به. نسأل دائماً: من المستفيد؟ ما الهدف؟ وما الذي تغيّر حتى يُقال هذا الآن؟

السودان لا يحتمل صراعات مراكز القوى المغلقة. وأي حديث عن (التخلص) من شخص، إن لم يكن عبر مسار دستوري واضح، يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى.

الوعي هو أن نفهم أن بعض التصريحات ليست إعلان حرب، بل إعلان تفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!