
مها طبيق
خطاب القائد في كمبالا كان خطوة محسوبة ضمن قرار الانتقال من مربع الفاعل العسكري إلى فضاء الفاعل السياسي الإقليمي المؤثر .
عدة رسائل جوهرية وجهت إلي الشعب السوداني والمحيط الإقليمي والدولي ، فمعركة السلاح وحده لم تكفي لهندسة الشرعية ، ولكن لابد من ان تكمل ببناء شبكة تحالفات ذات عائد سياسي وأمني واقتصادي .
اختيار كمبالا عاصمة شرق أفريقية بتأثيرها الواسع يعكس مقاربة العمق الإقليمي . هذا التموضع يخدم عدة أهداف منها كسر العزلة السياسية عبر بوابة أفريقية أقل استقطابًا ، واختبار مستوى القبول الإقليمي دون مواجهة مباشرة مع المنظومة الدولية ، وفتح قنوات تواصل غير صدامية داخل الفضاء الأفريقي قبل الانتقال إلى دوائر أوسع . لذلك جاء التحرك من شرق أفريقيا كخطوة مدروسة داخل سوق التحالفات .
هناك عدة رسائل داخل الخطاب من حيث إعادة تعريف الشرعية ، منها تقديم القيادة بوصفها حامل مشروع سياسي مدني ، لا تعتمد على القوة المسلحة وحدها ، لذلك جاء
التحول هنا في السردية من معركة بقاء إلى “مشروع دولة تهدف فعليا إلي الطمأنة الأمنية
أي إشارات إلى ضبط الحدود ، ورفض الفوضى ، والالتزام بالقانون الدولي الذي يحمل رسائل مباشرة لدول الجوار ، بالإضافة إلى تقليل المخاوف وخلق أرضية تعاون إقليمي .
كذلك يحمل الخطاب رسالة الانفتاح الاقتصادي والتلميح إلى إعادة الإعمار ، والاستثمار ، أو التكامل الإقليمي مما يعكس إدراكًا أن الشرعية الدولية تُبنى عبر المصالح المشتركة بعيدا عن الشعارات السياسية . والأهم هو مخاطبة الشتات كرافعة نفوذ من خلال تمليك الجاليات كجمهور واعي بجذور الازمة وخلفيات الصراع ولما لها من أدوار دبلوماسية داخل الدولة المضيفة وذلك من خلال تحويل الشتات إلى أصل سياسي كخطوة محسوبة في معركة الشرعية .
يمكن استنتاج ركائز أساسية مشمولة في طيات الخطاب تتمحور حول العمق الأولي لشرق أفريقيا عبر بناء حزام سياسي إقليمي قبل الانفتاح على العواصم الكبرى . كذلك الانتقال من صورة الفاعل الميداني إلى صورة الشريك المحتمل في الاستقرار ، وذلك من خلال خفض النبرة العقائدية لصالح لغة التوجهات الأفريقية العلمانية مما يؤسس للمصالح المتبادلة دون عداء متوهم رسخته الأنظمة السودانية المتعاقبة .
استخدام خطاب حقوقي وإنساني لفتح نافذة على المجتمع الدولي دون طلب اعتراف صريح يفتح باب التدويل للأزمة الإنسانية وضرورة دعمه إقليميا لتصل لمسامع المجتمع الدولي .
غير ان التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الخطاب على التحول إلى مسار مؤسسي مستدام . وأي تحرك خارجي فاعل ويحتاج إلى مكتب علاقات إقليمية دائم الاتصال بمراكز القرار ، وفريق تفاوض محترف متعدد الاختصاصات ، ووثيقة سياسة خارجية مكتوبة ، وزيارات مجدولة ومترابطة يخدم أهدافًا محددة .
نعم لقد ترك الخطاب تأثير بالغ على المشهد السوداني ، وإذا استمر المسار ضمن خطة واضحة ، قد نشهد إعادة توزيع تدريجيا لمراكز الاعتراف السياسي وتحسنًا ملحوظا في الصورة الخارجية .
خطاب كمبالا يمثل جهد واعي لنقل المعركة إلى ساحة الشرعية الإقليمية ، وإنه إعلان ضمني بأن ميزان القوة تتوج بشبكة مركبة من التحالفات والعمل السياسي الجاد ويدعم بالاستمرارية والانضباط وتحويل الرسائل إلى مصالح مشتركة ملموسة للجميع .
مها الهادي طبيق
22 فبراير 2026
mahatebig@gmail.com




