
خضر كوة
إن التحرك الدبلوماسي الذي قاده الفريق محمد حمدان دقلو ووفده إلى أوغندا يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، حتى وإن جاء في توقيت متأخر. فالسياسة لا تُقاس بلحظة البداية بقدر ما تُقاس بقدرة الفاعل على البناء التراكمي والاستمرار. غير أن التحدي الحقيقي أمام مشروع «تأسيس» لا يتمثل في زيارة بعينها، بل في تأسيس مسار دبلوماسي أفريقي مستدام، يحول الحضور العابر إلى وجود مؤسسي دائم.
لماذا أفريقيا أولاً؟
القارة الأفريقية ليست مجرد عمق جغرافي للسودان، بل هي فضاءه الطبيعي سياسياً واستراتيجياً. والاعتراف في السياق الأفريقي يتشكل عبر أربعة مسارات متداخلة: التواصل المباشر مع العواصم، الحضور الفاعل داخل أطر الاتحاد الأفريقي، صياغة خطاب أفريقاني واضح، وربط المشروع الوطني بمصالح القارة وأمنها الجماعي.
إن تبني مفهوم “الأفريقانية السياسية” ليس شعاراً دعائياً، بل خياراً استراتيجياً يهدف إلى بناء قاعدة دعم قارية تتطور تدريجياً إلى اعتراف إقليمي ودولي أوسع.
أثر الغياب وأهمية الحضور
في العمل الدبلوماسي، الفراغ لا يبقى فارغاً. غياب رواية «تأسيس» عن بعض الساحات أتاح لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان أن تملأ المساحة دبلوماسياً وإعلامياً. ومن الطبيعي أن تتشكل مواقف دول مؤثرة مثل السعودية بناءً على المعطيات المتاحة أمامها. وعليه، فإن إعادة تشكيل التوازن تبدأ بخلق حضور منتظم ومنظم، لا بردود أفعال موسمية.
ما المطلوب عملياً؟
أولاً، إنشاء تمثيل دبلوماسي دائم في دول محورية مثل كينيا وتشاد وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا والمغرب، عبر مكاتب اتصال فاعلة لا تقتصر على الرمزية.
ثانياً، بناء منصات إعلامية أفريقية بالتعاون مع المجتمع المدني ومراكز الفكر، وإنتاج محتوى بلغات مؤثرة كالسواحيلية والفرنسية والإنجليزية، لضمان وصول الرواية مباشرة إلى الرأي العام.
ثالثاً، تحويل الزيارات إلى جولات دورية تُترجم إلى شراكات عملية في مجالات الاقتصاد والأمن والتنمية، بما يربط المشروع بالمصالح المشتركة لا بالشعارات السياسية.
الأفريقانية كمدخل لكسر العزلة
الشرعية في أفريقيا تُبنى بالتراكم المؤسسي وبالالتزام طويل الأمد. إن تعميق الانتماء الأفريقي يوسع دائرة الاعتراف، ويعيد تعريف الصراع ضمن سياق قاري أكثر اتزاناً، ويضيق هامش المناورة أمام الخصوم.
زيارة أوغندا بداية واعدة، لكنها يجب أن تكون نقطة انطلاق لمسار دبلوماسي أفريقي كثيف، مهني، ومستدام. فالعالم لا يستمع إلا لمن يخاطبه باستمرار، ولا يعترف إلا بمن يثبت حضوره، ولا يدعم إلا من يوضح رؤيته ويحدد ما يقدمه في المقابل.
أفريقيا ليست خياراً تكتيكياً لمشروع «تأسيس»؛ إنها بوابة الاعتراف الأولى، ومنها يبدأ الطريق نحو أفق أوسع.




