رأي

عندما يكون الأمباز طعامًا للبشر: نساء الفاشر في قبضة الحركات المسلحة وجيش الفلول

 

بقلم: عباس احمد السخي

في مشهد يدمع له القلب وتتحرك له المرؤة، وثّقت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا مقاطع فيديو مصوّرة لنساء وأطفال في مدينة الفاشر وهم يشترون الأمباز—وهو نوع من الأعلاف المخصصة للحيوانات—ويستخدمونه كطعام لهم في ظل انعدام الغذاء، وانقطاع الإمدادات، واستحالة الوصول إلى أبسط ضروريات الحياة. لم تكن هذه المشاهد مادة إعلامية عابرة، بل هي شهادة حيّة على المأساة الكبرى التي تحل بأهلنا المحاصرين في الفاشر، حيث تمضي الأيام ثقيلة، ويغيب الأمل، وتزداد المعاناة في صمت يقطعه أنين الجوع وشكوى العجز.

ما يُوثّق اليوم ليس أزمة طارئة ولا مشهداً استثنائياً، بل هو انعكاس مباشر لواقع الجريمة المنظمة التي ترتكبها الحركات المسلحة وبقايا جيش النظام البائد، الذين يحتجزون مئات الأسر داخل المدينة، ويتخذون منهم دروعًا بشرية لمنع التقدم العسكري من حولهم، ضاربين بكل القيم والمواثيق والأعراف الإنسانية عرض الحائط. لقد تحوّلت أحياء كاملة من الفاشر إلى سجون مفتوحة، يُمنع على ساكنيها الخروج، وتُمنع عنهم المساعدات، ويُخضعون لحصار مزدوج: من الخارج بالقصف والدمار، ومن الداخل بالترهيب والتجويع.

أكثر ما يُدمِي القلب أن أولئك النساء اللاتي اعتدن أن يُطعمن أبناءهن من خيرات دارفور، أصبحن اليوم يبحثن عن فضلات علف البهائم ليصنعن منها وجبة تقي أسرهن خطر الموت. هل يمكن تخيّل أي مستوى من الانهيار الإنساني يمكن أن يبرر هذا المشهد؟! إن الأمباز، الذي صُمم لتسمين المواشي، يُغلى اليوم في قدور بشرية، ويُؤكل على موائد فُرض عليها الجوع قسرًا، وسُدّت عنها كل أبواب الرحمة.

وفي خضم هذا الواقع الكارثي، تمكن بعض سكان الفاشر، خصوصاً النساء والأطفال، من الهرب من قبضة الحصار، بعد أن خاطروا بأرواحهم وخرجوا تحت جنح الظلام، أو بمساعدة بعض المنظمات المحلية، وبتسهيلات من قوات الدعم السريع، التي ساهمت—بحسب شهادات الناجين—في فتح ممرات إنسانية غير رسمية مكّنت عشرات الأسر من الوصول إلى مناطق أكثر أمنًا. بعض هؤلاء الهاربين وصلوا في حالة يرثى لها، حُفاة، جياع، يروون فصولاً دامية من قصص الاحتجاز والتجويع والانتهاك.

غير أن هذا لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته. فمن المعيب أن تبقى المنظمات الحقوقية والإنسانية صامتة إزاء هذه الفظائع. ما يجري في الفاشر هو جريمة حرب مكتملة الأركان: احتجاز للمدنيين، استخدام للدروع البشرية، تجويع ممنهج، وحرمان تام من الخدمات الأساسية. أين منظمة الأمم المتحدة؟ أين الصليب الأحمر الدولي؟ أين هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية؟ بل أين الضمير الإنساني في هذا العالم؟! كيف تُترك مدينة كاملة تغرق في الظلام والجوع، دون أن يصدر حتى بيان إدانة أو نداء عاجل؟

إن أقل ما يمكن فعله اليوم هو إطلاق نداء إنساني عالمي يطالب بفتح ممرات آمنة لخروج المدنيين إلى حيث يمكن تقديم الغذاء والدواء لهم، وتأمين الحماية القانونية للناجين. من غير المقبول أن تُستخدم المدن المأهولة بالسكان كمتاريس حرب، أو أن يُختزل الإنسان السوداني في مجرد رقم منسي في تقارير إخبارية لا تُحدث فرقًا.

لقد تجاوزت مأساة الفاشر حدود الاحتمال، وتخطّت مرحلة الإنذار. الأمباز لم يكن يوماً طعامًا للإنسان، لكنه اليوم أصبح مرآةً تعكس حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي والعسكري الذي وصلت إليه بعض الأطراف، ممن اختاروا الاحتماء بالنساء والأطفال، بدلاً من مواجهات الرجال.

لن تكفي الكلمات لوصف ما يعيشه أهلنا في الفاشر، لكن السكوت جريمة. الصمت الآن ليس حياداً بل تواطؤٌ مباشر مع الجلاد. وإذا لم يتحرك العالم من أجل شعب يتغذى على علف البهائم، ويُمنع من النجاة، ويُستخدم كورقة تفاوض رخيصة، فمتى سيتحرك؟
الفاشر اليوم تستغيث، ومن لا يسمع استغاثتها شريك في خذلانها.
وما بين الأمباز والألم، هناك وطن يُذبح، وسكان يُقتلون ببطء، والعالم يتفرج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!