
حسن النعمان
دارفور ليست لغةً أجنبية… حين يجهل الإعلام السوداني لسان وطنه
نقدٌ لبرنامجٍ
تلفزيوني.
عجبتُ من مقدم برنامجٍ تلفزيوني استضاف فنانًا من دارفور، وكان كلما غنّى قال له: “غنِّ، ثم اشرح لنا ماذا تقصد.” مع أن الفنان كان يغني بالعربية الدارجة، وهي لغة يفهمها كل من يتحدث العربية في السودان. والأغرب أن كلمات الأغنية كانت واضحة في معظمها، ولم تحتج إلى تفسير إلا كلمة واحدة هي “كلنكي”، وهي تعني الحاجز الفاصل بين بيتٍ وآخر، أو بين زرعٍ وآخر.
أما بقية المفردات، فلم يكن فيها ما يستدعي هذا الإلحاح على الشرح. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يراد من هذا التصرف؟ أهو تقليلٌ من شأن الفنان لأنه من دارفور؟ أم أنه يكشف محدودية ثقافة المذيع اللغوية وعدم إلمامه بتنوع اللهجات السودانية، بما يجعله غير مؤهل لتقديم برنامج يخاطب كل السودانيين؟ أم أن إدارة البرنامج تتبنى، بقصد أو بغير قصد، خطابًا يوحي بأن أهل بعض الأقاليم لا يفهمهم بقية السودانيين؟
إن السودان، بتنوعه الثقافي واللغوي، مليء باللهجات والطرائق المختلفة في النطق والتعبير. ففي شمال السودان، رغم وجود الرطانة، يتحدث كثيرون بالعربية بخصوصياتهم اللغوية. وأهلنا النوبيون والحلفاويون قد يختلفون في بعض أساليب التعبير أو التذكير والتأنيث، ومع ذلك لا يجد المتلقي صعوبة في فهم المقصود. وكذلك أهلنا البجة، وإخوتنا في جنوب السودان الذين يتحدث كثير منهم بعربية جوبا، وهي أيضًا مفهومة في سياقها. ومع ذلك، لم نعتد أن نرى مذيعًا يقاطع ضيفه بعد كل عبارة طالبًا منه أن يشرح ما يقول.
فهل هي متلازمة الاستعلاء التي ما زالت تطل برأسها في بعض المنابر الإعلامية؟ أم هو تكبّرٌ على بعض الوجوه والأقاليم، يُمارس بصورةٍ تبدو عفوية لكنها تحمل رسائل سلبية؟
ولو نظرنا إلى تجارب الدول الأخرى، لوجدنا المشهد مختلفًا. ففي مصر يتحدث الصعايدة وأهل الجنوب بلهجاتهم المحلية، ولا نرى مذيعًا يطالبهم بعد كل جملة بأن يشرحوا ما يقصدون. وفي المغرب يتعايش الأمازيغ مع العربية الدارجة، ولكلٍ لسانه وتعبيره، دون أن يتحول ذلك إلى مادة للتشكيك أو الاستغراب. وفي الجزائر تمتزج العربية الدارجة بكثير من المفردات الفرنسية، ومع ذلك يتعامل الإعلام مع هذا التنوع بوصفه ثراءً ثقافيًا، لا سببًا للإقصاء أو الانتقاص.
فما كل هذا الشطط؟ ولماذا هذا الإصرار على اختزال أقاليم بعينها والتعامل معها وكأنها استثناء داخل الوطن الواحد؟
إن المذيع السوداني، إذا كان يجهل لهجات أبناء بلده، باستثناء اللغات المحلية التي تختلف جذريًا عن العربية، فعليه أن يوسع معارفه قبل أن يجلس على مقعد تقديم البرامج. فالإعلام ليس مجرد قراءة أسئلة، بل معرفة بالمجتمع وثقافاته ولهجاته، واحترامٌ لتنوعه.
إن ما حدث لا يبدو مجرد هفوة إعلامية، بل ممارسة ممنهجة مقصودة.




