رأي

ما بعد 15 أبريل: مأزق الدولة وفرص التأسيس

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

شكّل اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل منعطفاً حاداً في مسار الدولة السودانية، إذ لم يكن الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، بل لحظة انكشاف شامل لأزمة بنيوية ظلت تتراكم منذ الاستقلال: أزمة بناء الدولة، واختلال العلاقة بين المركز والهامش، وغياب التوافق على قواعد انتقال ديمقراطي مستدام. لقد أعادت الحرب رسم المشهدين السياسي والأمني، ودفعت البلاد إلى حالة سيولة غير مسبوقة، تآكلت فيها مؤسسات الدولة وتفاقمت الأزمة الإنسانية على نحو ينذر بتداعيات بعيدة المدى.

في هذا السياق المضطرب، برز تحالف “تأسيس” بوصفه محاولة لإعادة صياغة المعادلة السياسية من الداخل، عبر طرح رؤية تستند إلى قيم الثورة وشعارات الدولة المدنية، مع تركيز واضح على إنصاف الأقاليم المهمشة وإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدلاً. يستمد هذا التيار جزءاً من قوته من حضوره وسط قطاعات واسعة من قواعد المقاومة المدنية، ومن خطابه الذي يربط بين إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الخطاب، بل في القدرة على الانتقال من الإطار النظري إلى مؤسسات تنفيذية فعّالة قادرة على إدارة واقع معقد ومتشظٍ.

إن استكمال الهيكل الحكومي وتفعيل مؤسسات ذات صلاحيات واضحة لم يعد مسألة إجرائية، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فاستمرار الفراغ يفتح المجال أمام مراكز القوة التقليدية لإعادة إنتاج نفوذها بأشكال مختلفة، ويُبقي تطلعات شعوب الهامش معلّقة بين الوعود والانتظار. لقد دفعت هذه الشعوب كلفة باهظة في مسارات الحرب والتهميش، وهي اليوم تتطلع إلى سلطة مدنية تضمن العدالة التوزيعية، والمشاركة الحقيقية في القرار، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

في المقابل، تمثل تحركات “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك مساراً يركز على البعد الدولي للأزمة، مستفيداً من شبكة علاقات خارجية ووزن دبلوماسي متراكم خلال المرحلة الانتقالية السابقة. في ظل الحرب، باتت الشرعية الدولية عاملاً حاسماً لتأمين الدعم الإنساني، وفتح قنوات الضغط السياسي، وحشد الاعتراف بأي ترتيبات مدنية قادمة. غير أن الرهان الخارجي، مهما بلغ من أهمية، يظل محدود الأثر إن لم يستند إلى قاعدة داخلية متماسكة تعبّر عن مختلف الأقاليم والقوى الاجتماعية.

التحدي المركزي إذن يتمثل في كيفية المواءمة بين شرعية داخلية تسعى إليها قوى “تأسيس”، وشرعية دولية تعمل “صمود” على ترسيخها. إن العلاقة بين المسارين ينبغي أن تكون تكاملية لا تنافسية، لأن أي انقسام مدني جديد لن يخدم سوى استمرار الحرب أو إعادة إنتاج الحكم الشمولي. فنجاح أي مشروع وطني مرهون بقدرته على الجمع بين الفاعلية على الأرض والاعتراف في الخارج، وبين تمثيل الهامش وصيانة وحدة الدولة.

اللحظة الراهنة لا تحتمل إبطاء الخطى. المطلوب ليس مجرد توزيع حقائب وزارية، بل برنامج عمل واضح يضع أولويات الأمن ووقف النزيف الإنساني في المقدمة، ويؤسس لعملية سياسية شفافة تعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم. كما أن حماية الزخم الشعبي تتطلب خطوات عملية تعكس جدية في الانتقال من الشعارات إلى السياسات.

إن ما بعد الخامس عشر من أبريل ليس مجرد مرحلة عابرة، بل اختبار وجودي لفكرة الدولة السودانية نفسها. وبين مسار يسعى إلى تثبيت شرعية داخلية عبر البناء المؤسسي، وآخر يعمل على تأمين الشرعية الدولية والدعم الخارجي، تتحدد ملامح المستقبل. ويبقى المعيار الحاسم لنجاح أي مشروع هو قدرته على إنهاء الحرب، وترسيخ العدالة، وتحقيق تطلعات الهامش في دولة مدنية عادلة تتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!