
هويدا سيادة
في قلب المشهد السوداني المتأزم، لم يعد العنف مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح أداة مُمنهجة تُدار وفق حسابات سياسية دقيقة. ما نشهده اليوم من استهداف متكرر للمنشآت الحيوية، وعلى رأسها المستشفيات، يكشف تحوّلاً خطيراً في طبيعة الصراع؛ حيث يُستخدم المدنيون كـ”كرت ضغط” لإيصال رسائل تتجاوز حدود الميدان إلى المجتمع الدولي.
ضمن ما يمكن وصفه بـ”سوسيولوجيا الصراع”، تتجلى ديناميكيات العنف في السودان كجزء من استراتيجية أوسع، تُعرف بسياسة “الأرض المحروقة”، حيث يصبح تدمير البنية التحتية واستهداف المدنيين وسيلة للانتقام السياسي، خاصة في ظل العزلة الدولية التي فُرضت على الحركة الإسلامية وكتائبها بعد تصنيفها ككيان إرهابي. الرسالة هنا واضحة: كلما اشتدت الضغوط، اتسعت رقعة الدمار.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يبدو المجتمع الدولي عاجزاً؟
الإجابة تكمن في الفجوة العميقة بين المبادئ الأخلاقية—مثل حماية المدنيين—والواقعية السياسية التي تحكم سلوك الدول. فالمجتمع الدولي ليس كياناً موحداً، بل ساحة معقدة لتضارب المصالح. تعدد الفاعلين داخل السودان، وغياب طرف مهيمن، يجعل أي تدخل خارجي محفوفاً بمخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية.
إلى جانب ذلك، فإن انشغال القوى الكبرى بصراعات أخرى، كالحرب في أوكرانيا وغزة، قلّل من شهية التدخل في السودان، خاصة في ظل التكلفة العالية لأي تحرك عسكري محتمل. كما أن الدول، رغم تشكيكها في شرعية حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، لا تزال تتعامل معها باعتبارها الجهة التي تمسك بمفاصل الدولة الرسمية، تجنباً للفراغ القانوني.
تتجسد معضلة أخرى في التوتر بين مبدأ السيادة الوطنية ومسؤولية حماية المدنيين. فبينما يُعد مبدأ “مسؤولية الحماية” أحد أهم التطورات في القانون الدولي منذ 2005، إلا أن تطبيقه يظل محدوداً، إذ تحتفظ الحكومات—even غير الشعبية—بشرعيتها القانونية ما لم يُسحب الاعتراف بها رسمياً، وهو أمر نادر.
أما التدخل العسكري تحت الفصل السابع، فهو مرهون بموافقة مجلس الأمن، حيث يقف “الفيتو” كعقبة كبرى. فروسيا والصين، اللتان تتبنيان نهج عدم التدخل، غالباً ما تعرقلان أي قرارات قد تُفسر كتدخل في الشؤون الداخلية، مستندتين إلى تجارب سابقة مثل ليبيا، حيث أدى التدخل إلى انهيار الدولة. وهكذا، يصبح الفيتو أداة تتفوق على الاعتبارات الأخلاقية، حتى في حالات الجرائم الجسيمة.
في هذا السياق المعقد، يبرز تساؤل حول إمكانية منح تفويض دولي لتحالفات محلية مثل “تحالف تأسيس” لحماية المدنيين. من الناحية القانونية، لا يمنح مجلس الأمن مثل هذا التفويض بسهولة، إلا في حال إعلان عجز الدولة الكامل أو تورطها في جرائم جسيمة. حينها فقط يمكن تفعيل آليات دولية تحت الفصل السابع، وقد يُعترف بتحالف محلي كشريك ميداني.
لكن حتى في هذه الحالة، فإن الدعم الدولي—اللوجستي أو العسكري—سيكون مشروطاً، ومصحوباً برقابة صارمة لضمان الالتزام بالمعايير الدولية. كما أن المجتمع الدولي يميل إلى ما يُعرف بـ”الغموض البناء”، أي دعم القوى الفاعلة ميدانياً دون منحها اعترافاً سياسياً كاملاً، تفادياً لإضفاء شرعية على أطراف الصراع.
الخلاصة أن تصنيف بعض الكيانات كإرهابية قد يفتح الباب لتحولات في موازين الشرعية، لكنه في الوقت ذاته يضع البدائل تحت اختبار قاسٍ. فالمجتمع الدولي لا يبحث عن طرف حرب جديد، بل عن شريك مدني قادر على حماية المدنيين دون الانزلاق إلى منطق الصراع.
وبين حسابات السياسة وحدود القانون، يظل المدنيون في السودان هم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن صراع تُدار فصوله ليس فقط بالسلاح، بل أيضاً بالرسائل الدموية.



