
عمر سيد أحمد
فبراير 2026
يحتل السودان مكانة استثنائية في خريطة الثروات الطبيعية الأفريقية: فهو يُنتج ما بين 50 و80 بالمئة من إجمالي الصمغ العربي المُتداوَل في الأسواق العالمية، ويمتلك أحد أكبر قطعان الماشية في القارة بما يزيد على مئة مليون رأس. بيد أن أهم هذه الثروات وأكثرها قيمةً اليوم هو الذهب: يُنتج السودان ما بين 85 و120 طناً سنوياً وفق تقديرات شركة الموارد المعدنية السودانية، ما يجعله من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا. غير أن 80 إلى 90 بالمئة من هذا الإنتاج يُهرَّب خارج البلاد عبر قنوات غير رسمية، نتيجة غياب بورصة وطنية للذهب ومعامل تكرير محلية، فيصل إلى أسواق الإمارات والخليج حيث يُكيَّف ويُكرَّر ويُعاد بيعه بأضعاف قيمته الأصلية. ومع ذلك كله تُصنّف مؤشرات التنمية البشرية السودان باستمرار ضمن أفقر دول العالم، وتبقى المناطق المنتِجة لهذه الثروات بالذات كردفان ودارفور والنيل الأزرق من أشدّ المناطق حرماناً من الخدمات الأساسية.
هذه المفارقة بين الثروة الهائلة والفقر المتجذّر ليست صدفة إحصائية، ولا نتيجة لشُح الموارد أو ضعف الإمكانات التقنية. هي محصّلة بنية اقتصادية سياسية راسخة قوامها ثلاثة عوامل متشابكة: أولها أن الثروات تُصدَّر في أدنى مراحل سلسلة القيمة — خاماً غير مُصنَّع أو مُهرَّباً قبل أن يُحتسب — فتتراكم القيمة المضافة خارج الحدود. وثانيها غياب عقد اجتماعي ضريبي حقيقي يجعل الدولة في غنى عن مواطنيها طالما تملك ريعاً تُوزّعه على المحاسيب. أما العامل الثالث — وهو الأكثر تأثيراً والأقل حضوراً في النقاش العام — فهو هيمنة المؤسسات العسكرية النظامية والميليشيات والحركات المسلحة على الاقتصاد الموازي، الذي تتراوح تقديرات حجمه بين 85 و90 بالمئة من النشاط الاقتصادي الفعلي في السودان.
هذا الاقتصاد الموازي ليس ظاهرة هامشية طارئة، بل هو البنية الأصيلة للاقتصاد السوداني. فمنذ تسعينيات القرن الماضي راكمت المؤسسة العسكرية النظامية شبكة واسعة من الشركات في قطاعات البناء والزراعة والتجارة، ثم جاء توسّع قوات الدعم السريع في قطاع الذهب بعد 2011 ليُضيف طبقة جديدة: قوة مسلحة بمصادر تمويل ذاتية مستقلة عن الدولة كلياً. والنتيجة أن كلاً من الموارد الزراعية والمعدنية والثروة الحيوانية باتت تدور في مدارات اقتصادية محمية بالسلاح، لا تخضع لرقابة ضريبية ولا لسياسة تنموية. فهم هذه البنية المركّبة لا وصف مظاهرها هو مدخل هذا المقال.
وقد بلغت هذه البنية منتهاها المنطقي مع اندلاع حرب أبريل 2023، حين تحوّل الاقتصاد السوداني بالكامل إلى اقتصاد حرب. لم تعد الموارد الطبيعية مصدراً للتنمية ولا حتى للريع الحكومي، بل أصبحت وقوداً مباشراً لتمويل العمليات العسكرية لكلا الطرفين. فالذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان يموّل آلتها الحربية مباشرةً، في حين تستنزف المؤسسة العسكرية النظامية ما تبقّى من احتياطيات العملة الأجنبية وعائدات الموانئ لتغطية نفقاتها. والمحصّلة أن الحرب لا تدمّر الاقتصاد فحسب — بل تتغذّى على نفس البنية الريعية التي أنتجتها، وتُعمّقها في الوقت ذاته. وهذا ما يجعل أي حديث عن إصلاح اقتصادي بعد الحرب مرتبطاً حتماً بتفكيك هذه البنية من جذورها، لا مجرد إعادة إعمار ما دمّرته المدافع.
◆ ◆ ◆
المركزية ليست نزوة — إنها معادلة اقتصادية
حين يتحدث المحللون عن مركزية السلطة في السودان، يميلون عادةً إلى تفسيرها بالموروث الاستعماري أو بطبيعة النخب الحاكمة أو بغياب الثقافة الديمقراطية. وهذه عوامل حقيقية، لكنها تفوّت الجذر الأعمق: أن المركزية السياسية في السودان هي الوجه السياسي لبنية اقتصادية ريعية مُهيكَلة بعناية لصالح المركز. بكلمة أخرى: الخرطوم لا تحكم السودان لأنها عاصمته فحسب، بل لأن من يسيطر عليها يسيطر على صنابير الثروة كلها.
الاقتصاد الريعي أي الاقتصاد الذي تستمد فيه الدولة دخلها من استخراج الموارد لا من ضرائب على نشاط إنتاجي متنوع — يصنع نمطاً سياسياً مميّزاً: الدولة لا تحتاج إلى إنتاج مواطنيها فتتحرر من الحاجة إلى خدمتهم، وتتحوّل من جهاز تنمية إلى جهاز توزيع للمحاسيب. المواطن يتحوّل من شريك إلى رعية. والسلطة لا تُكتسب بالإنجاز بل بالسيطرة على منابع الريع.
من يسيطر على المركز يسيطر على صنابير الثروة كلها هذه المعادلة هي التي تجعل التنازل عن الخرطوم يبدو لكل طرف وكأنه تنازل عن كل شيء.
السودان نموذج بارز لهذا النمط، وما يُميّزه أن ريعه تنوّع وتعاقب: بدأ زراعياً بالقطن والصمغ العربي، وانتقل إلى النفط بعد عام 1999 حين بلغت عائداته أكثر من 70% من إيرادات التصدير، ثم تحوّل إلى الذهب بعد انفصال الجنوب عام 2011. لكن هذا التنوع لم يُضعف الطابع الريعي للدولة — بل جعله أكثر مرونة وأشدّ قدرة على البقاء.
◆ ◆ ◆
السودان يُصدِّر كلَّ شيء خاماً
ما ينطبق على الصمغ العربي ينطبق بالقدر ذاته على سائر ثرواته. يخرج القطن من مشروع الجزيرة قبل أن تمسّه مغزل واحد في أي مصنع سوداني. وتُشحن الماشية حيّةً إلى موانئ الخليج، بدلاً من تصدير اللحوم المبرّدة والجلود المدبوغة ومشتقات الألبان. ويُنقل الذهب من جبال جنوب كردفان ودارفور دون أن يمرّ بمصفاة تحويلية واحدة تضيف قيمة على الأراضي السودانية.
في كل حالة تتكرر المعادلة نفسها: الهامش يوفّر المادة الخام، والمركز يحتكر حلقات الوساطة والتصدير، والخارج يستوعب القيمة المضافة. وكل مرحلة تحويلية يتخلى عنها السودان تعني وظائف لا تتولّد، وعائداً لا يتراكم، وقدرةً تقنية لا تُبنى.
السؤال ليس تقنياً: هل يستطيع السودان إنشاء صناعة تحويلية؟ الجواب نعم. السؤال الحقيقي: لماذا لم يحدث ذلك رغم عقود؟ الجواب سياسي: شبكات الوسطاء والمصدّرين المرتبطة بمراكز النفوذ لا مصلحة لها في صناعة محلية تُفقدها احتكار الوساطة. إنه «تحالف الإعاقة» الذي يمنع أي تحوّل هيكلي.
◆ ◆ ◆
النفط الذي لم يُعمّر — درس قاسٍ
لم تكن التجربة النفطية فرصة ضائعة فحسب، بل كانت درساً في كيف يصنع الريع الحرب بدلاً من التنمية. حين بدأ الإنتاج عام 1999 وبلغ قرابة 500 ألف برميل يومياً، كانت أمام السودان فرصة تاريخية. لكن معظم العائد ضُخّ في الإنفاق العسكري وتجميل الخرطوم وشبكات المحاسيب، بينما بقيت مناطق الإنتاج من أكثر المناطق فقراً.
بعد انفصال الجنوب، ذهب ثلاثة أرباع الإنتاج النفطي. بدل بناء اقتصاد إنتاجي، بحثت الدولة عن ريع بديل فوجدته في الذهب. ومع إسناد عمليات استخراجه لقوات الدعم السريع، نشأت قوة اقتصادية-عسكرية مستقلة عن الدولة. كانت هذه إحدى البنى العميقة التي أسهمت في اندلاع حرب أبريل 2023.
الريع لا يُضعف الدولة فقط — بل يُفرِّخ في أحشائها دويلات بديلة تتغذى على نفس المنطق.
◆ ◆ ◆
حين لا تحتاج الدولة إلى مواطنيها
الضريبة ليست مورداً مالياً فقط، بل عقد اجتماعي. الدولة التي تحتاج ضرائب مواطنيها تحتاج رضاهم، أما الدولة التي تستمد دخلها من الموارد والمساعدات فلا تحتاج إلى موافقة أحد. تتحوّل العلاقة من عقد إلى إحسان.
في السودان، لم تتجاوز نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي في سنوات ما قبل انفصال الجنوب 7 إلى 9 بالمئة، وهي أقل بكثير من المعدل الأفريقي. ونتيجة لذلك أصبحت الولايات في تبعية شبه مطلقة للتحويلات من الخرطوم.
◆ ◆ ◆
الإصلاح لا يبدأ بالدستور — يبدأ بالاقتصاد
نقاشات الإصلاح تركز على توزيع السلطة، لكنها تُهمل توزيع الثروة. من يستفيد من الصادرات؟ من يملك تنظيمها؟ كيف تُوزَّع عائدات التعدين؟
اللامركزية السياسية دون لامركزية اقتصادية ستعيد إنتاج نفس الأزمة. ما يحتاجه السودان ليس فقط دستوراً، بل سياسة تُوزّع القيمة:
نسبة تحويل محلية قبل التصدير
صناديق إيرادات تعيد جزءاً من العائد للمنطقة المنتجة
رقابة مدنية صارمة على التعدين
استثمار في تعليم أبناء مناطق الإنتاج
اللامركزية الحقيقية لا تعني فقط أن يحكم الناس أنفسهم — بل أن يملكوا قيمة ما تُنتجه أرضهم.
◆ ◆ ◆
خاتمة
السؤالان اللذان لا بد من طرحهما معاً:
من يمتلك السلطة؟
ومن يمتلك الثروة وكيف تُنتج وتُوزّع؟
طالما يُصدَّر الصمغ العربي خاماً، وتُشحن الماشية حيّةً، وينزح الذهب دون معالجة، وتبقى المحليات معلّقة في انتظار تحويلات الخرطوم — فإن أي دستور سيبقى إعادة توزيع للفقر لا بناء للثروة.
الخروج يبدأ بالإقرار بأن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وأن تحرير الهامش يستلزم أولاً تحرير قيمة ما تُنتجه يداه.
عمر سيد أحمد
خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل



