رأي

موجة المطر… بلا براق ..ينذر بالتصعيد والإغلاق

آدم الحاج أديب

 

آدم الحاج أديب

لم يعد في سماء السودان بريقٌ يبشر بانفراج قريب، بل موجةٌ كثيفة من الغيوم السياسية والعسكرية تتقدم نحو البلاد، لا تحمل بشائر السلام بقدر ما تنذر باتساع رقعة الحرب. لقد دخل الصراع مرحلة جديدة، عنوانها إغلاق أبواب المناشدات الإنسانية، وفتح أبواب المواجهة الميدانية على مصاريعها.

إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن قوات تحالف “تأسيس” تعكس تحولًا واضحًا في مسار الحرب، إذ أعلنت – بحسب خطابها – تجميد صفحة النداءات والمبادرات التي دعت إلى تغليب صوت العقل والحكمة، انطلاقًا من قناعة لديها بأن تلك المبادرات لم تُفضِ إلى حماية المدنيين أو وقف الحرب، بل استُغلت لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية على الأرض.

وبذلك، يكون السودان قد دخل مرحلة جديدة، تتراجع فيها رهانات التفاوض، ويتقدم فيها منطق القوة، ليصبح صوت المدافع أعلى من أصوات الوسطاء، وصوت البنادق أعلى من بيانات الإدانة والشجب.

غير أن السؤال الذي يظل معلقًا أمام الضمير الإنساني هو: ماذا عن المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والعجزة والمسنين الذين سقطوا في المزروب وشرشال وغيرها من القرى والمدن؟ إن التقارير والاتهامات المتداولة بشأن سقوط ضحايا مدنيين خلال العمليات العسكرية، والادعاءات المتعلقة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تستوجب تحقيقات دولية مستقلة وشفافة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كانت الجهة التي ينتمي إليها.

كما أن الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة، والتي تناولتها تقارير وتصريحات دولية، تفرض ضرورة كشف الحقيقة عبر الآليات الدولية المختصة، بعيدًا عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير. فحماية المدنيين ليست شعارًا سياسيًا، وإنما التزام قانوني وأخلاقي يفرضه القانون الدولي على جميع أطراف النزاع.

وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد فتحت، على مدى سنوات، ملفات تتعلق بجرائم دارفور، فإن أي ادعاءات جديدة بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الحرب الحالية ينبغي أن تُعامل بالجدية نفسها، وأن تُخضع لتحقيقات مستقلة وصولًا إلى محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.

وفي المقابل، فإن جيش الحركة الإسلامية وحلفاءه مطالبون بتحمل مسؤولياتهم القانونية والسياسية عن أي انتهاكات قد تثبتها التحقيقات، شأنهم شأن أي طرف آخر في هذا النزاع، لأن العدالة لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تخضع لاعتبارات القوة أو النفوذ.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن السودان لم يكن يومًا معزولًا عن حسابات الجغرافيا السياسية، غير أن تغليب المصالح الضيقة على معالجة جذور الأزمة السودانية، وفق رؤية العديد من المراقبين، أسهم في تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع بدلًا من المساهمة في معالجته. ومن هذا المنطلق، فإن السياسات التي اتبعتها بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، تستحق مراجعة نقدية جادة إذا كان الهدف الحقيقي هو استقرار السودان والمنطقة.

إن السياسة التي تُبنى على المصالح المشروعة تظل جزءًا من العلاقات الدولية، أما حين تتحول إلى انتهازية سياسية تتجاهل مبادئ حسن الجوار، وتتغاضى عن التداعيات الإنسانية والأمنية للصراعات، فإنها تزرع بذور أزمات قد تمتد آثارها إلى الجميع. فسنن التاريخ لا تعرف المجاملة، ولا تمنح حصانة دائمة لأحد، وما يُصنع اليوم في ساحات الآخرين قد يرتد غدًا على صانعيه.

وليس عبثًا أن يردد الناس المثل القائل: “من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها.” ويزيدون عليه: “إذا حفرت حفرة سوء، فوسِّعها.” وهي حكمة تلخص حقيقة أن الأزمات حين تُدار بمنطق المكاسب الآنية لا تلبث أن تنقلب على أصحابها، وأن الأمن الإقليمي كلٌّ لا يتجزأ، فلا يمكن بناء استقرار دولة على حساب انهيار دولة أخرى.

إن المنطقة تقف اليوم أمام تحولات متسارعة، وأي تصعيد إقليمي جديد ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول المنخرطة فيه. ولذلك فإن معالجة الأزمة السودانية بعدالة، واحترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ليست مسؤولية السودانيين وحدهم، بل مسؤولية إقليمية ودولية أيضًا.

لقد أثبت التاريخ أن العدالة المؤجلة تُطيل أمد الحروب، وأن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات. وسيظل الشعب السوداني يتطلع إلى اليوم الذي تكون فيه سيادة القانون فوق السلاح، وتكون فيه حياة المدنيين خطًا أحمر لا تسمح الإنسانية بتجاوزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!