رأي

مصر سردية الوصاية السياسية وافتضاح التموضع

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

ما أُخذ بالإملاء لا يُبنى بالإرادة، وما فُرض من الخارج لا يصمد في الداخل

في كل مرة تعلن فيها القاهرة موقفها «الثابت» تجاه السودان، تعود الأسئلة القديمة لتفرض نفسها: ثابتٌ على ماذا؟ ولصالح من؟ وهل يملك أي طرف خارجي حق تعريف أولويات السودانيين أو تحديد ما ينبغي أن يكون عليه شكل دولتهم ومستقبلهم؟ التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية المصري حول «وحدة السودان وسلامة أراضيه وتماسك مؤسساته الوطنية» ليست جديدة في مضمونها، لكنها تكشف إصراراً على إعادة إنتاج سردية لم تعد محل إجماع حتى داخل السودان نفسه.

أولاً، الحديث عن «وحدة السودان» بوصفها مسلّمة غير قابلة للنقاش يتجاهل حقيقة أساسية: الوحدة ليست شعاراً أخلاقياً يُرفع في البيانات، بل عقدٌ سياسي طوعي تُقرره الشعوب بإرادتها الحرة. السودان بلد متعدد القوميات والثقافات والتجارب التاريخية، وأي صيغة وحدوية لا تستند إلى رضا مكوّناته المختلفة تظل هشّة وقابلة للاهتزاز. من حق السودانيين وحدهم أن يناقشوا شكل دولتهم، مركزية كانت أم فيدرالية أم أي صيغة أخرى، بعيداً عن الوصاية أو التخويف أو التلويح بشعارات جاهزة.

ثانياً، الإشارة المتكررة إلى «تماسك المؤسسات الوطنية» تفترض أن هذه المؤسسات محل إجماع وطني، وهو افتراض يناقض واقعاً سياسياً معقداً. فجزء معتبر من الجدل السوداني اليوم يدور حول طبيعة هذه المؤسسات نفسها: هل هي قومية حقاً؟ أم أنها نتاج تاريخ طويل من المركزية الصلبة وتحالفات نخبوية ضيقة؟ توصيفها بوصفها مؤسسات جامعة لا يُنهي النقاش حول إصلاحها أو إعادة بنائها، بل قد يُستخدم لتجميد هذا النقاش تحت عنوان «الاستقرار».

ثالثاً، لا يمكن فصل الخطاب المصري عن تاريخ طويل من التداخل السياسي بين البلدين. العلاقة بين الخرطوم والقاهرة لم تكن يوماً علاقة جوار عادي، بل علاقة تشابكت فيها المصالح الأمنية والمائية والاقتصادية. هذا التشابك يمنح القاهرة حق القلق، لكنه لا يمنحها حق صياغة الأولويات السودانية أو توجيه مسارها السياسي. فالدعم الحقيقي للاستقرار لا يكون عبر تثبيت صيغ قديمة، بل عبر احترام التحولات الداخلية ومساندة خيارات الشعوب.

إن السودان يعيش مرحلة إعادة تعريف عميقة: إعادة تعريف للدولة، للهوية الوطنية، وللعلاقة بين المركز والأقاليم. في مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح أي خطاب خارجي يُركّز على «الإبقاء على الشكل القائم» أقرب إلى دفاع عن مصالح قائمة منه إلى حرص على مستقبل مستدام. فالدول لا تُبنى بالمحافظة على الأعطاب، بل بإصلاحها جذرياً.

ثم إن الحديث عن «تحسين الوضع الإنساني ودعم مساعي التهدئة» يظل ناقصاً ما لم يقترن بموقف متوازن يُشجّع حلاً سياسياً شاملاً لا يُقصي أحداً ولا يُحصّن أحداً من المساءلة. السلام ليس مجرد وقفٍ لإطلاق النار، بل عملية سياسية تعيد توزيع السلطة والثروة على أسس عادلة. وأي جهد إقليمي جاد ينبغي أن يضع هذه الحقيقة في صلب تحركه.

من منظور سوداني، الحساسية تجاه الخطاب المصري لا تنبع من عداء عاطفي، بل من تراكم تجارب تاريخية جعلت الثقة مسألة معقدة. الثقة تُبنى عبر أفعال ملموسة تُثبت الحياد والاحترام المتبادل، لا عبر عبارات عامة عن «الوحدة» و«المؤسسات». وعندما يشعر قطاع واسع من السودانيين بأن تلك العبارات تُستخدم لتكريس توازنات قديمة، فإن الرد الطبيعي يكون التشكيك لا الترحيب.

السودان لا يحتاج إلى تعريفات جاهزة لهويته أو دولته من الخارج، ولا إلى وصاية سياسية مهما تلطف خطابها. ما يحتاجه هو مساحة آمنة لحوار داخلي صريح يُعيد تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة. هذا المسار قد يكون مؤلماً وطويلاً، لكنه يظل أقل كلفة من تثبيت واقع مأزوم بدعوى الحفاظ على «التماسك».

في نهاية المطاف، العلاقة بين السودان ومصر يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على افتراض معرفة أحدهما بما هو «أفضل» للآخر. فإذا أرادت القاهرة أن تلعب دوراً إيجابياً، فالبداية تكون بالاعتراف بحق السودانيين في إعادة تعريف دولتهم دون ضغط أو إملاء، وبالابتعاد عن أي خطاب يُفهم على أنه دفاع عن ترتيبات لا تحظى بإجماع وطني.

إن مستقبل السودان لن يُكتب في بيانات هاتفية ولا في عبارات دبلوماسية مكرورة، بل في إرادة شعبه. وكل من يحترم هذه الإرادة سيكون شريكاً مرحباً به، أما من يتجاوزها فسيجد نفسه خارج معادلة التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!