رأي

القاهرة والتماهي الصارخ

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية المصرية بشأن تطورات شمال دارفور لم يُستقبل في السودان بوصفه موقفاً إنسانياً مجرداً، بل قُرئ في سياق أوسع يتصل بطبيعة الاصطفافات الإقليمية وتعقيدات المشهد السياسي. فالمشكلة لا تكمن في إدانة العنف أو استهداف المدنيين، فذلك موقف مبدئي لا خلاف حوله، وإنما في الانتقائية التي توحي بانحياز سياسي واضح.

القاهرة، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، لم تُخفِ خلال مسار الأزمة ميلها إلى جانب الجيش الذي تصفه أطراف سودانية بأنه واقع تحت تأثير تيارات الإسلام السياسي. هذا التصور المتراكم يجعل أي بيان صادر عنها محمّلاً بدلالات سياسية تتجاوز عباراته الدبلوماسية. وعندما يُقرأ الموقف المصري في ضوء هذا السياق، يبدو أقرب إلى اصطفاف منه إلى وساطة متوازنة.

السودان اليوم ليس في حاجة إلى بيانات تُغذي الاستقطاب أو تُكرّس رواية طرف على حساب آخر. ما يحتاجه هو مقاربة إقليمية متوازنة تحترم تعقيداته الداخلية وتُدرك أن الانحياز، مهما كان مبرره، لا يصنع سلاماً. التجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الانخراط غير المتوازن في النزاعات الداخلية غالباً ما يطيل أمدها بدل أن يُسهم في احتوائها.

من حق أي دولة أن تُعبّر عن قلقها إزاء ما يجري في بلد مجاور، لكن من واجبها أيضاً أن تُراعي حساسية اللحظة وأن تتجنب إرسال إشارات قد تُفهم باعتبارها دعماً سياسياً أو معنوياً لطرف بعينه. فالصراع في السودان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع رهانات إقليمية معقدة.

إن إنهاء الحرب في السودان لن يتحقق عبر بيانات تصدر من الخارج، بل عبر مسار سياسي سوداني خالص، يقوم على معالجة جذور الأزمة وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيداً عن تأثير أي تيار أيديولوجي أو وصاية خارجية. وأي دور إقليمي فاعل ينبغي أن يستند إلى الحياد الحقيقي، لا إلى حسابات النفوذ.

في نهاية المطاف، يبقى احترام سيادة السودان وتوازن مواقفه هو المعيار الذي يُقاس به صدق النوايا. أما الانحياز، مهما تلطف بعبارات دبلوماسية، فلن يكون سوى إضافة جديدة إلى تعقيدات مشهد يحتاج إلى التهدئة لا إلى مزيد من الاستقطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!