رأي

هل ستعود دولة دارفور الي سابق عهدها ؟ 

سيف الدين هارون 

 

 سيف الدين هارون 

قد يبدو العنوان (مشاترا) او مستفزا لمشاعر البعض ممن يستبقون المفاهيم او من الذين يقيسون ألأشياء وفقا لطبيعة تراكيب الشخصية المنطلقة من التركيبة السايكولوحية التي تتفاعل مع حقائق الأمور وفق تلك الحالة النفسية التي تفسر الأمور العامة بناءا علي أمزجتها الخاصة ؛ وهنا يكون التفاعل مع الأمور انطباعيا مزاجيا والحكم بالتالي يكون متزامنا مع ظروف تلك الحالة مع او ضد ( وهي حالة اصبحت متلازمة لعدد كبير من النشطاء الذين يتعاملون مع الحالة السودانية الآنية نتاج هذه الحرب التي لا اريد ان أخوض حولها فالحدث يحدث ان نفسه ) ولذلك التطرق لمواضيع ذات طبيعة حساسة دوما ما ينظر له البعض بحالة من التوجس والريبة والشكوك ، خصوصا عندما يكون الأمر متعلقا بالحقوق العامة التي ينبري لها البعض من خلال الإعلام – خصوصا السوشال ميديا- التي تمثل بؤرة حصاد هذا الصراع . والحالة الدارفورية شأنها شأن العديد من الحالات في الأقاليم المشابهة في الظلم ، تحظي بنصيب اكبر في حساسية التناول ودوما وا ينظر لها الآخرون الذين تحت تأثير أشكال الحكم الآحادي الرؤية الذي كان من عوامل ترسيخ مفاهيم الاستلاب الفكري والثقافي والاجتماعي الذي رسخ مفاهيم استدامة أشكال هذه التجارب من الحكم في بؤر جغرافية محددة اثرت في طبيعة تركيبة تلك المجتمعات وبالتالي اضحي مستوي نظرتها للآخرين لا تخرج عن اطر تلك المفاهيم ؛ وعليه اي محاولة تطرق لسلبيات تجارب تلك المجتمعات في ادارة شكل الدولة من الضد يعتبر كفرا وخروجا عن المألوف وعليه تدمغ تلك الأصوات المطلبية بالتطرف والنشوز ولذلك تحاول تلك الآراء منزوية في اطر ضيقة او حبيسة الدواخل وبالتالي تصير حالة سيكولوجية تتجلي في أشكال التطرف السياسي العنيف الذي تمثله حالات الحركات الثورية المطلبية الاقليمية التي نتجت لظروف تاريخيّة موضوعية نتاج تطرف السلطة المركزية التي تحرم هذا الحق ؛ وقد تجلي ذلك جليا في تجارب – الحركة الشعبية لتحرير السودان التي افضت الي اتفاق سلام مع حكومة المركز الذي كان نتاجها انفصال الجنوب في العام ٢٠١١ وحالات حركات التحرير الدارفورية والتي افضت الي عدد من اتفاقيات السلام الفاشلة مع الحكومة السودانية مثل اتفاق سلام ابوجا بين حركة جيش تحرير السودان وحكومة الإنقاذ ٢٠٠٦ واتفاق الدوحة التي انشئت علي أنقاض اتفاقية ابوجا واتفاقية شرق السودان باسمرا بين فصائل شرق السودان واخيراً اتفاق سلام السودان بجوبا ٢٠٢٠ الذي افضي الي ما يسمي بالاتفاق الإطاري ( سبب البلاوي كما يحلوا للآخرين) والذي بدوره ايضاً كان من مسببات هذه الحرب الانية والتي كل المؤشرات تشير الي اسوأ الفروض والاحتمالات بانها ستقود الي كارثة ( التقسيم ) والخطير في الامر هنا ان معظم هذه الاتفاقيات في كثير منها تشير الي مطالب يفضي الي النزوع الي (حق تقرير المصير ) كما اشار اليه (مؤتمر القضايا المصيرية للتجمع الوطني الديمقراطي باسمرا ١٩٩٥ وهو الاساس الذي بنت عليه الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل د.جون قرنق دي مبيور اساس منغستو تفاوضها مع نظام الانقاذ ؛ او بصورة مبطنة في حالات الاتفاقيات الاخري اللاحقة والتي جلها فشلت في تحقيق مراميها لإصرار دهاقنة نظام الموتمر الوطني السابق لتطبيقها وهو ما كان يدفع بعدد من الأصوات برفع شعار حق المطالبة بتحقيق المصير سرا.. وهكذا يتواصل ذلك المطلب كعصا ترفع بين الحين والآخر في وجه الأنظمة الحاكمة بالمركز ؛ و ما خرجت به هذه الحرب العبثية التي تدور ما بين ( بؤر النظام العسكريين منهم والسياسيين ) من نتاج افضي الي كتلتين متحاربتين لاختلاف المطامع والنفوذ بينهما والارتماء بكل اسف في احضان مراكز نفوذ اقليمية تحركها قوي دولية عبر اجهزة استخبارات لها بتنسيق استخباراتي داخلي حول البلاد الي جحيم وفوضي لم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان ؛ كان نتاجه حتمية تشكيل دولة اخري موازية لشكل الدولة القديمة التي جعلت من بورتسودان عاصمة ادارية لها تدير من خلاله الصراع من علي البعد ليتسع حجم المآسي ليشمل كل التراب السوداني وتتساوي فيه الآلام ويتسع مخاطر التدخلات الاقليمية ويخرج الامر عن السيطرة وبالتالي تتدخل علنا بعض الدوائر العالمية في الشأن الداخلي وتأتي الحلول بكل اسف من الخارج ويسقط الجميع في اختبار القيم الوطنية والسياسية وترتفع حدة التوتر الداخلي وتتباعد الظروف السياسية التي تقود الي الوصول لمرحلة الحلول وتتسارع وتيرة الاستقطاب السياسي القائم علي المفاهيم الجهوية والمناطقية او ما يسمي ( بالحواضن الاجتماعية ) والتي تزيد من حجم المأساة وحالة الاستقطاب الجهوي المحزن والذي يزيد من حالة الاحتقان والنزوع لحالة التطرف المسلح القبلي الداعم للمعسكرين المتصارعين وتتباعد المسافات بين الحكومتان الناشئتان لهذه الحرب ( دون تفويض سياسي او جماهيري ) وهو ما يعقد من الأمر و يقود لاحتمالات النزوع الي سياسة الأمر الواقع القائمة علي مبدأ مناطق السيطرة العسكرية المؤيدة بواقع (الحواضن الاجتماعية الجهوية ) في حالة رفض حكومة الامر الواقع ببورتسودان الانقلابية وهو امر ايضا (تؤيده قاعدة اجتماعية معتبرة ) اضافة للإرث التقليدي لشكل الدولة السائدة وهو الأمر الأكثر تعقيداً وكلاهما تحدان تأييدا من دول اقليمية توفر كل سبل التمكين للطرفان المتصارعان ؛ وهنا يظل الخيار المحتمل في حالة اصرار كل منهما علي رأيه هو اللجوء لخيار (الانفصال) وهنا تكون الكارثة الكبرى ويكون السؤال الافتراضي الذي كان عنوانا للمقال : هل ستعود دولة دارفور الي سابق عهدها او ماضيها ؟ وفي البال الاحداث المأساوية التي عقبت سقوط الفاشر وما تبعها من احداث إنسانية مأساوية والأحداث الاسوأ التي تمت مؤخرا بسقوط مستريحة وما سيعقبه من مآلات ) ونعني هنا الفرضية التاريخية المعلومة لدي الجميع ( ان دارفور ألحقت الي حدود دولة السودان الحديث بعد العام 1916 مقتل السلطان علي دينار سلطان عموم دولة دارفور بعيد هزيمة الثورة المهدية و نهاية حكم دولة الخليفة عبد الله التعايشي (اول رئيس / حكومة لتلك الدولة والتي ورثها الإنجليز الذين وضعوا معالم تلك الدولة الحديثة التي ورثتها الحكومةً الوطنية السودانية بعد الاستقلال ١٩٥٦ التي عجزت في المحافظة علي استدامة نظام حكم متين متداول يقوم علي الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ومفاهيم القيم الديمقراطية التي يكفلها الدستور . فإنا نري وميض نار تحت الرماد وان الحالة السياسية السودانية المتأزمة الحالية إذا ظلت علي هذا الحال فإننا موعودون بشبح حتمية عودة دولة دارفور القديمة الي سابق عهدها. وحينها سنغضّ علي أصابع الندم علي دولة السودان الحديث التي دفع من اجلها أثمان باهظة وارواح طاهرة وتاريخ مشرف من البطولات .

سيف الدين صالح هارون

الولايات المتحدة 🇺🇸 الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!