رأي

«التأسيس على أنقاض الوهم: نحو استقلالٍ يُنتزع لا يُمنح»

عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

 

 عبدالرحمن أبو رندة ..بنسلفانيا 

إذا أمعنّا النظر في المقولة الخالدة للقائد الثوري توماس سنكارا: «الاستقلال لا يُمنَح بل يُنتَزع»، سنكتشف دون كبير عناء أنّ الشعوب السودانية لم تعرف يومًا استقلالًا حقيقيًا، بل ورثت أشكالًا جديدة من الوصاية التي ارتدت قناع الوطنية. فمنذ خروج الاحتلال البريطاني، ظلّت بنية الدولة السودانية رهينة لمؤسسات صُنعت أصلًا على مقاس المستعمر، ثم تولّت نخب محدودة إعادة تدوير هذا الإرث الاستعماري، محافظين على ذات أدوات السيطرة والهيمنة وإن اختلفت اليافطات.

فالجيش الذي يُسمّى اليوم “القوات المسلحة” وُلد عام 1925 تحت اسم “قوة دفاع السودان” ليكون ذراعًا استعمارية تحفظ مصالح التاج البريطاني. والأحزاب التي رفعت شعار مناهضة الاستعمار كانت في جوهرها مشاريع سياسية نمت في بيئة أنتجها المستعمر ورعاها، فيما لعبت الجبهات التي قيل إنها “تحررية” أدوارًا محسوبة بدقة لخدمة توازنات لا علاقة لها بقضايا السودانيين. وهكذا، حين أُعلن الاستقلال، لم تكن البلاد قد تحررت فعليًا، بل انتقلت من استعمار خارجي إلى استعمار داخلي مارسته مجموعات ارتقت في سلّم الامتيازات عبر ما قُدم لها تحت مسمى “السودنة”.

نتج عن ذلك قيام دولة مركزية خانقة، عاشت على صناعة الوهم الوطني، واستخدمت البروباغندا لإخضاع شعوب الهامش والأرياف، بالتواطؤ مع سلطاتها التقليدية التي اكتشفت لاحقًا أنها كانت مجرد أدوات في مشروع أكبر يستهدف مجتمعاتها ومواردها. وما لبثت هذه المجتمعات أن أدركت حجم التآمر الذي مورس ضدها، فتموضعت إلى جانب قواعدها الاجتماعية إدراكًا لحقيقة أن الدولة المركزية لم تكن يومًا بيتًا جامعًا، بل أداة لإدامة الهيمنة وتعميق الإقصاء.

إلى جانب ذلك، استمرّت الدولة المركزية القابضة في نهجها الطفيلي، فنهبت موارد الشعوب في الأقاليم الزراعية والرعوية، وحوّلت فائض إنتاجهم الزراعي والحيواني إلى خزائن أقلية أوليغارشية رسمت لنفسها تاريخًا من الخيانة، مارست خلاله الإفقار المتعمد والقتل المعنوي والمادي والتجهيل الممنهج. وحتى اليوم، ورغم اتساع الوعي الشعبي، ما تزال العقلية المركزية غارقة في خطاب الكراهية والدعاية السوداء، خصوصًا بعد اندلاع الحرب التي أجّجتها جماعات الهوس الديني وتحالفات الامتيازات التاريخية. لكن هذه الأدوات لم تعد فاعلة كما كانت؛ فوعي الهامش تجاوز مرحلة الانخداع، وصار قادرًا على كشف التزييف وإسقاط بروباغندا التاريخ المختلق ومناهج غسل الأدمغة.

لهذا، بات تفكيك المركزية القابضة ضرورة وجودية، وكذلك تفكيك التحالفات التي صنعت واقع الهيمنة على مدى عقود. فبناء دولة سودانية عادلة ومستدامة لن يتم عبر إعادة تدوير الهياكل القديمة، بل عبر تأسيس جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع، وخلق توازن سياسي واجتماعي ينهي قرنًا من الإقصاء.

عملية التأسيس ليست مجرد معالجة لجذور الأزمة أو تبنٍّ لمفاهيم الدولة الحديثة من مواطنة وعلمانية وفيدرالية وعدالة انتقالية، بل تتطلب ما هو أعمق: العدالة الترميمية. إنها العدالة التي تعيد بناء العلاقات الاجتماعية، وترمم التصدعات التي أحدثتها الحرب، وتستعيد الثقة بين المكونات، وتحوّل الذاكرة الجماعية من ساحة صراع إلى أرضية تعايش.

إن مشروع «تحالف تأسيس» يحمل فرصة حقيقية لرسم خارطة طريق تُعيد تعريف الدولة السودانية بعيدًا عن إرث المركزية. فإذا تمكن المشروع من خلق عقل جمعي يتجاوز الانتماءات الضيقة، فسيكون بالإمكان تحويل ركام الحروب إلى أساسٍ لوطن جديد يعترف بالاختلاف ويحميه، ويقيم بناءه على شراكة سياسية واجتماعية لا تُقصي أحدًا.

التحديات بلا شك جسيمة، والطريق أشبه بالمشي على حقل ألغام، نظرًا لثقل التاريخ وتفاوت التنمية وعمق الجراح. لكن الفرص اليوم أكبر من أي وقت مضى. فالسودان يقف عند عتبة تحول حاسم، إما أن يكون بداية تأسيس حقيقي يُنتزع انتزاعًا، أو امتدادًا لسلسلة طويلة من الخسارات. والوعي المتنامي في الهامش والمركز معًا يمنح الأمل بأن المشروع الممكن ما يزال حيًّا… وأن الاستقلال الحقيقي لم يزل هدفًا يمكن بلوغه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!